اشترى بمعنى باع وابتاع والمراد هنا الأول {بِهِ} أي: بذلك الشيء {أَنْفُسَهُمْ} المراد الإيمان
وإنما وضع الأنفس موضع الإيمان إيذاناً بأنها إنما خلقت للعلم والعمل به المعبر عنه بالإيمان ولما بدلوا الإيمان بالكفر كانوا كأنهم بدلوا الأنفس به والمخصوص بالذم قوله تعالى: {أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ اللَّهُ} أي: بالكتاب المصدق لما معهم بعد الوقوف على حقيقته {بَغْياً} علة لأن يكفروا أي: حسداً وطلباً لما ليس لهم كما أن الحاسد يطلب ما ليس له لنفسه مما للمحسود من جاه أو منزلة أو خصلة حميدة والباغي هو الظالم الذي يفعل ذلك عن حسده والمعنى بئس شيئاً باعوا به إيمانهم كفرهم المعلل بالبغي الكائن لأجل {أَن يُنَزِّلُ اللَّهُ} أو حسداً على أن فإن الحسد يستعمل بعلى {مِن فَضْلِهِ} الذي هو الحي {عَلَى مَن يَشَآءُ} أي: يشاؤه ويصطفيه {مِنْ عِبَادِهِ} المستأهلين لتحمل أعباء الرسالة والمراد ههنا محمد صلى الله عليه وسلّم كانت اليهود يعتقدون نبي آخر الزمان ويتمنون خروجه وهم يظنون أنه من ولد إسحاق فلما ظهر أنه من ولد إسماعيل حسدوه وكرهوا أن يخرج الأمر من بني إسرائيل فيكون لغيرهم.
{وَلِلكَافِرِينَ} أي: لهم والإظهار في موضع الإضمار للإشعار بعلية كفرهم لما حاق بهم {عَذَابٌ مُّهِينٌ} يراد به إهانتهم وإذلالهم لما أن كفرهم بما أنزل الله كان مبنياً على الحسد المبني على طمع النزول عليهم وادعاء
الفضل على الناس والاستهانة بمن أنزل الله عليه صلى الله عليه وسلّم.
ودل أن عذاب المؤمنين تأديب وتطهير وعذاب الكفار إهانة وتشديد وأن المراتب الدنيوية والأخروية كلها من فيض الله تعالى وفضله فليس لأحد أن يعترض عليه ويحسده على الألطاف الإلهية فإن الكمالات مثل النبوة والولاية ليست من الأمور الاكتسابية التي يصل إليها العبد بجهد كثير وكمال اهتمام أما النبوة، أي: البعثة فاختصاص إلهي حاصل لعينه الثابتة من التجلي الموجب للأعيان في العلم وهو الفيض الأقدس.
وأما الولاية فهو أيضاً اختصاص إلهي غير كسبي بل جميع المقامات كذلك اختصاصية عطائية غير كسبية حاصلة للعين الثابتة من الفيض الأقدس وظهوره بالتدريج بحصول شرائطه وأسبابه يوهم المحجوب فيظن أنه كسبي بالتعمل وليس كذلك في الحقيقة فلا معنى للحسد لكن الجاهلين بحقيقة الحال يطيلون ألسنتهم بالقيل والقال ولا ضير فإنه رفع لدرجات العبد واقتضت سنة الله أن يشفع أهل الجمال بأهل الجلال ليظهر الكمال.