فهرس الكتاب
[فصل]
اعلم أن تمام الحج كما يكون عن طريق الظاهر كذلك يكون عن طريق الباطن.
وعن بعض الصالحين أنه حج فلما قضى نسكه قال لصاحبه: هلم نتم حجنا ألم تسمع قول ذي الرمة.
تمام الحج أن تقف المطايا ... على خرفاء واضعة اللثام
وخرقاء اسم حبيبة الشاعر واضعة اللثام أي: مكشوفة الوجه مسفرة جعل الوقوف عليها كبعض مناسك الحج الذي لا يتم إلا به وحقيقة ما قال هو أنه كما قطع البوادي حتى وصل إلى بيته وحرمه ينبغي أن يقطع أهواء النفس ويخرق حجب القلب حتى يصل إلى مقام المشاهدة ويبصر آثار كرمه بعد الرجوع عن حرمه.
قال في «التأويلات النجمية» :
حج العوام قصد البيت وزيارته، وحج الخواص قصد رب البيت وشهوده كما قال الخليل عليه السلام: {إني ذاهب إلى ربي سيهدين} وكما أن من قصد الله وطلبه وتوجه إليه بالكلية وفدى بنفسه وماله وولده في الله واتخذ ما سواه عدواً كما قال: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} (الشعراء: 77) كان الخليل عليه الصلاة والسلام وهذا كله من مناسك الحج الحقيقي فلذلك جعله الله أول من بنى بيت الله وطاف وحج وأذن في الناس بالحج وسن المناسك، وكان الحج صورة ومعنى مقامه عليه السلام، وكما كان له مقام كان لنبينا عليه السلام حال والحال أتم من المقام؛ لأن المقامات من المنازل، والأحوال من المواهب فيمكن سلوك المقامات بغير المواهب ولا يمكن المواهب بغير سلوك المقامات فلما كان الخليل من أهل المقامات قال: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} (الصافات: 99) ولما كان النبي عليه الصلاة والسلام من أهل المذاهب قيل: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} (الإسراء: 1) فلما كان ذهابه بنفسه في الحج الحقيقي بقي في السماء السابعة وأحصر فقيل له: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} فأهدي بإسماعيل، ولما أسري بالنبي عليه السلام وكان ذهابه بالله ما أحصره شيء فقيل له: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ} فأتم حجه بأن {دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى} ثم أتى عمرته بأن تجلى له أقمار المقصود عن كشف التعزز بالشهود وانجلت عنانة المحبة عن شموس الوصلة، وجرى بين المحبين ما جرى {فأوحى إلى عبده ما أوحى} ثم نودي من سرادقات الجلال في إتمام الحج والإكمال يوم الحج الأكبر عند وقوفه بعرفات في حجة الوداع وهو آخر الحجات {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً} انتهى ما في «التأويلات» .