ليس المراد الأمر بالمسافرة في الأرض بسير الأقدام لا محالة بل المقصود تعرف أحوالهم فإن حصلت المعرفة بغير السير حصل المقصود، ولعل اختيار لفظ {سيروا} مبني على أن أثر المشاهدة أقوى من أثر السماع كما قيل:
ليس الخبر كالمعاينة وفي هذا المعنى قيل:
إن آثارنا تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار
واعلم أن الأمم الماضية خالفوا الأنبياء والرسل للحرص على الدنيا وطلب لذاتها ثم انقرضوا ولم يبق من دنياهم أثر وبقي عليهم اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة، فرغب الله تعالى أمة محمد صلى الله عليه وسلّم المصدقين في تأمل أحوال هؤلاء الماضين ليصير ذلك داعياً لهم إلى الإنابة والإعراض عن الاغترار بالحظوظ الفانية واللذات المقتضية، فإن الدنيا لا تبقى مع المؤمن ولا مع الكافر فالمؤمن يبقى له بعد موته الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى والكافر بخلافه، فاللائق أن يجتهد فيما هو خير وأبقى ولا ينظر إلى زخارف الدنيا.
ثم في هذا تسلية للمؤمنين فيما أصابهم يوم أحد فإن الكفار وإن نالوا من المؤمنين بعض النيل لحكمة اقتضته فالعاقبة للمؤمنين قال تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} (الصافات: 171 - 172 - 173) و {أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} (الأنبياء: 105)
ولو كانت الغلبة كل مرة للمؤمنين لصار الإيمان ضرورياً وهو خلاف ما تقتضيه الحكمة الإلهية.
فعلى العاقل أن يفوض الأمر إلى الله ويعتبر بعين البصيرة في الأمور الخفية والجلية وقد قال الله تعالى: {فَاعْتَبِرُواْ يَاأُوْلِي الأَبْصَارِ} (الحشر: 2) .
والخوف من العاقبة من الصفات السنية للصلحاء.