وبناء يوقنون على الضمير تعريض بمن عداهم من أهل الكتاب وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته فإن اعتقادهم في أمور الآخرة بمعزل من الصحة فضلاً عن الوصول إلى مرتبة اليقين فدل التقديم على التخصيص بأن إيقان من آمن بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك مقصور على الآخرة الحقيقية لا يتجاوز إلى ما أثبته الكفار بالإقرار من أهل الكتاب.
قال أبو الليث رحمه الله في «تفسيره» :
اليقين على ثلاثة أوجه يقين عيان ويقين خبر ويقين دلالة.
فأما يقين العيان فهو أنه إذا رأى شيئاً زال الشك عنه في ذلك الشيء.
وأما يقين الدلالة فهو أن يرى الرجل دخاناً ارتفع من موضع يعلم باليقين أن هناك ناراً وإن لم يرها.
وأما يقين الخبر فهو أن الرجل يعلم باليقين أن في الدنيا مدينة يقال لها بغداد وإن لم ينته إليها فههنا يقين خبر ويقين دلالة لأن الآخرة حق ولأن الخبر يصير معاينة عند الرؤية انتهى كلامه.
ويقال: علم اليقين ظاهر الشريعة وعين اليقين الإخلاص فيها وحق اليقين المشاهدة فيها.
ثم ثمرة اليقين بالآخرة الاستعداد لها فقد قيل عشرة من المغرورين:
من أيقن أن الله خالقه ولا يعبده، ومن أيقن أن الله رازقه ولا يطمئن به، ومن أيقن أن الدنيا زائلة ويعتمد عليها، ومن أيقن أن الورثة أعداؤه ويجمع لهم:
ومن أيقن أن الموت آت فلا يستعد له، ومن أيقن أن القبر منزله فلا يعمره، ومن أيقن أن الديان يحاسبه فلا يصحح حجته، ومن أيقن أن الصراط ممره فلا يخفف ثقله، ومن أيقن أن النار دار الفجار فلا يهرب منها، ومن أيقن أن الجنة دار الأبرار فلا يعمل لها كما في «التيسير» .
قال ذو النون المصري: اليقين داع إلى قصر الأمل وقصر الأمل يدعو إلى الزهد والزهد يورث الحكمة والحكمة تورث النظر في العواقب.