الإنفاق صرف المال إلى وجوه المصالح، والمراد بالسبيل الدين المؤدي إلى ثواب الله ورحمته فكل ما أمر الله به من الإنفاق في إعزاز الدين وإقامته فهو داخل في هذه الآية سواء كان في إقامة الحج أو العمرة أو جهاد الكفار أو صلة الأرحام أو تقوية الضعفاء من الفقراء والمساكين أو رعاية حقوق الأهل والأولاد أو غير ذلك مما يتقرب به إلى الله تعالى أمر تعالى بالجهاد بالمال بعد الأمر به بالنفس أي: واصرفوا أموالكم في سبيل الله ولا تمسكوا كل الإمساك.
{وَلاَ تُلْقُواْ} الإلقاء الشيء حيث تراه ثم صار اسماً لكل طرح عرفاً وتعديته بإلى لتضمنه معنى الانتهاء {بِأَيْدِيكُمْ} الباء زائدة في المفعول به لأن ألقى يتعدى بنفسه قال تعالى: {فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ} ولا يقال ألقي بيده إلا في الشر والمراد بالأيدي الأنفس فإن اليد لازم للنفس وتخصيص اليد من بين سائر الجوارح اللازمة لها لأن أكثر الأعمال يظهر بالمباشرة باليد والمعنى لا تطرحوا أنفسكم {إِلَى التَّهْلُكَةِ} أي: الهلاك بالإسراف وتضييع وجه المعاش لتكون الآية نظير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} (الفرقان: 67) أو بالكف عن الغزو والإنفاق في مهماته فإن ذلك مما يقوي العدو ويسلطه عليكم ويؤيده ما روي عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه أنه قال: إن الله تعالى لما أعز دينه ونصر رسوله قلنا فيما بيننا إنا قد تركنا أهلنا وأموالنا حتى فشا الإسلام ونصر الله نبيه فلو رجعنا إلى أهلنا وأموالنا فأقمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منا فأنزل الله تعالى {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} أي: إلى ما يكون سبباً لهلاككم من الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد فما زال أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى كان آخر غزوة غزاها بقسطنطينية في زمن معاوية فتوفي هناك ودفن في أصل سور قسطنطينية
وفي الحديث «من مات ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق» .