واعلم أن الاصطفاء أعم من المحبة والخلة فيشمل الأنبياء كلهم لأنهم خيرة الله وصفوته وتتفاضل فيه مراتبهم كما قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} (البقرة: 253) فأخص المراتب هو المحبة المشار إليها بقوله: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} فلذلك كان أفضلهم حبيب الله محمداً عليه السلام ثم الخلة التي هي صفة إبراهيم عليه السلام وأعمها الصفاء الذي هو صفة آدم صفي الله عليه السلام {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ} في الدين والحقيقة إذ الولادة قسمان: صورية ومعنوية فكل نبي يتبع نبياً آخر في التوحيد والمعرفة وما يتعلق بالباطن من أصول الدين فهو ولده كأولاد المشايخ في زماننا هذا وكما قيل الآباء ثلاثة: أب ولدك، وأب رباك، وأب علمك، وكما أن وجود البدن في الولادة الصورية يتولد في رحم أمه من نطفة أبيه فكذلك وجود القلب في الولادة الحقيقية يظهر في رحم استعداد النفس من نفخة الشيخ والمعلم وإلى هذه الولادة أشار عيسى عليه السلام بقوله: (لن يلج ملكوت السماوات من لم يولد مرتين) .
ثم اعلم أن الولادة المعنوية أكثرها تتبع الصورية في التناسل ولذلك كان الأنبياء في الظاهر أيضاً نسلاً واحداً ثمرة شجرة واحدة وسببه أن الروح في الصفاء والكدورة يناسب المزاج في القرب من الاعتدال الحقيقي وعدمه وقت التكون، فلكل روح مزاج يناسبه ويخصه إذ الفيض يصل بحسب المناسبة وتتفاوت الأرواح في الأزل بحسب صفوتها ومراتبها في القرب والبعد عن الحضرة الأحدية فتتفاوت الأمزجة بحسبها في الأبد لتتصل بها والأبدان المتناسلة بعضها من بعض متشابهة في الأمزجة على الأكثر اللهم إلا لأمور عارضة اتفاقية فكذلك الأرواح المتصلة بها متقاربة في الرتبة متناسبة في الصفة، وهذا مما يقوي أن المهدي يكون من نسل محمد عليه السلام.
والأغذية مؤثرة في البدن. فمن كان غذائه حلالاً طيباً وهيآت نفسه فاضلة نورانية ونياته صادقة حقانية جاء ولده مؤمناً صديقاً أو ولياً أو نبياً، ومن كان غذائه حراماً وهيآت نفسه خبيثة ظلمانية ونياته فاسدة رديئة جاء ولده فاسقاً أو كافراً أو زنديقاً إذ النطفة التي يكون الولد منها متولدة من ذلك الغذاء مرباة في تلك النفس فيناسبها ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم «الولد سر أبيه» وكان صدق مريم ونبوة عيسى ببركة صدق نيتها.