أضاف الأموال إلى الأولياء تنزيلاً لاختصاصها بأصحابها منزلة اختصاصها بالأولياء، فكأن أموالهن عين أموالهم لما بينهم وبينهم من الاتحاد الجنسي والنسبي مبالغة في حملهم على المحافظة عليها، وقد أيد ذلك حيث عبر عن جعلها مناطاً لمعاش أصحابها بجعلها مناطاً لمعاش الأولياء بقوله: {الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً} أي جعلها الله شيئاً تقومون به وتنتعشون فلو ضيعتموه لضعتم.
ولما كان المال سبباً للقيام والاستقلال سماه بالقيام إطلاقاً لاسم المسبب على السبب على سبيل المبالغة فكأنها من فرط قيامهم بها واحتياجهم إليها نفس قيامهم.
{وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ} الرزق من الله العطية من غير حد ومن العباد إجراء موقت محدود أي أطعموهم منها ولم يقل (منها) لئلا يكون ذلك أمراً بأن يجعلوا بعض أموالهم رزقاً لهم بل أمرهم أن يجعلوا أموالهم مكاناً لرزقهم بأن يتجروا فيها ويثمروا فيجعلوا أرزاقهم من الأرباح لا من أصول الأموال.
{وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} كلاماً ليناً تطيب به نفوسهم.
وفي الآية تنبيه على عظم خطر المال وعظم نفعه.
قال السلف: المال سلاح المؤمن هيئ للفقر الذي يهلك دينه، وكانوا يقولون اتجروا واكتسبوا فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه، وربما رأوا رجلاً في جنازة فقالوا له: اذهب إلى دكانك.
قال الإمام: وقد رغب الله في حفظ المال في آية المداينة حيث أمر بالكتاب والشهادات والرهن، والعقل أيضاً يؤيد ذلك لأن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بتحصيل الدنيا والآخرة ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة المال لأنه به يتمكن من جلب المنافع ودفع المضار.
فمن أراد الدنيا بهذا الغرض كانت الدنيا في حقه من أعظم الأسباب المعينة على اكتساب سعادة الآخرة
أما من أرادها لنفسها وعينها كانت من أعظم المعوقات عن كسب سعادة الآخرة، فخير المال ما كان متاع البلاغ ولا ينبغي للمرء أن يسرف في المال الذي يبلغه إلى الآخرة والجنة والقربة.