أضاف سبحانه وتعالى إذاقة النعماء إلى ذاته الكريمة، ومس الضراء إليها لا إلى ذاته الجليلة تنبيهاً على أن القصد الأول إيصال الخير إلى العباد تفضلاً منه تعالى ورحمة، ومساس الشر ليس إلا لشؤم نفسه وفساد حاله مجازاة وانتقاماً قال الله تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} (النساء: 79)
وهذا هو المراد من قول البيضاوي: وفي اختلاف الفعلين نكتة لا تخفى وفي التعبير عن ملابسة الرحمة والنعماء بالذوق الذي هو إدراك الطعم وعن ملابسة الضراء بالمس الذي هو مبدأ الوصول كأنما يلاصق البشرة من غير تأثير تنبيه على أن ما يجده الإنسان في الدنيا من النعم والمحن كالأنموذج لما يجده في الآخرة.
{إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ}
والفرح إذا اطلق في القرآن كان للذم، وإذا كان للمدح يأتي مقيداً بما فيه خير كقوله تعالى: {فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} كذا في حواشي سعدي المفتي.
يقول الفقير يرده قوله تعالى: {إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُواْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} (الأنعام: 44)
والظاهر أن كونه للمدح أو للذم إنما هو بحسب المقام والقرائن.
واعلم أن الفرح بالنعمة ونسيان المنعم فرح الغافلين، والعطب إلى هذا أقرب من السلامة، والإهانة أوفى من الكرامة.
قال حضرة شيخنا العلامة أبقاه الله بالسلامة: في بعض «تحريراته» هو المحبوب لذاته لا لعطائه وعطاؤه محبوب لكونه محبوباً لا لنفسه ونحبه ونحب عطاءه لحبه انتهى بإجمال، يشير قدس سره إلى الفرح بالله تعالى على كل حال.