{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}
أي: فأمري صبر جميل وهو أن لا يكون فيه شكوى إلى الخلق.
وعن أبي الحسن قال: خرجت حاجاً إلى بيت الله الحرام فبينا أنا أطوف وإذا بامرأة قد أضاء حسن وجهها، فقلت: والله ما رأيت إلى اليوم قط نضارة وحسناً مثل هذه المرأة، وما ذاك إلا لقلة الهم والحزن، فسمعت ذلك القول مني فقالت كيف قلت يا هذا الرجل؟ والله إني لوثيقة بالأحزان مكلومة الفؤاد بالهموم والأشجان ما يشركني فيها أحد، فقلت وكيف ذلك؟ قالت ذبح زوجي شاة ضحينا بها ولي ولدان صغيران يلعبان وعلى يدي طفل يرضع فقمت لأصنع لهم طعاماً إذ قال ابني الكبير للصغير، ألا أريك كيف صنع أبي بالشاة؟ قال بلى فأضجعه وذبحه وخرج هارباً نحو الجبل فأكله ذئب، فانطلق أبوه في طلبه فأدركه العطش فمات، فوضعتُ الطفل وخرجتُ إلى الباب أنظر ما فعل أبوهم، فدب الطفل إلى البرمة وهي على النار فألقى يده فيها وصبها على نفسه وهي تغلي فانتثر لحمه عن عظمه، فبلغ ذلك ابنة لي كانت عند زوجها فرمت بنفسها إلى الأرض فوافقت أجلها فأفردني الدهر من بينهم، فقلت لها فكيف صبرك على هذه المصائب العظيمة؟ فقالت: ما من أحد ميز الصبر والجزع إلا وجد بينهما منهاجاً متفاوتاً، فأما الصبر بحسن العلانية فمحمود العاقبة.
وأما الجزع فصاحبه غير معوض، ثم أعرضت وهي تنشدني:
صبرت وكان الصبر خير معول ... وهل جزع يجدي عليَّ فأجزع
صبرت على ما لو تحمل بعضه ... جبال غرور أصبحت تتصدع
ملكت دموع العين حتى رددتها ... إلى ناظري فالعين في القلب تدمع