{فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195) }
-روي - أن صفوان بن سليم كان يجتهد في العبادة والقيام، وكان يبيت على السطح في أيام الشتاء لئلا يستريح من البرد، وفي الصيف ينزل إلى بيته ليعذب نفسه بحرِّ الهواء [1] ، وكان عادته ذلك إلى أن مات في سجدته، ووصل إلى رحمة الله وجنته.
فهذا هو الاجتهاد فعليك به، فإن احتالت نفسك عليك في ذلك فحدثها بأخبار السلف وأحوالهم وحكاياتهم كي ترغب في الطاعة والاجتهاد، فإن في ذلك نفعاً كلياً وتأثيراً عظيماً.
فإن قالت النفس إنهم كانوا رجالاً أقوياء كيف يداني بهم في الطاعة من خلفهم؟
فحدثها بأخبار النساء كيف كن إناثاً، ومع ذلك لم يتخلفن عن مجاهدات الرجال حتى وصلن إلى ما وصلوا إليه كرابعة العدوية وغيرها، قال بعضهم:
ولو كان النساء كمن ذكرنا ... لفضلت النساء على الرجال
فلا التأنيث لاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال
قال الحسن البصري رحمه الله يا عجباً لأقوام بلا زاد وقد نودوا بالرحيل، وحبس أولهم لآخرهم وهم قعود يلعبون.
-حُكِيَ - أن ملك الموت دخل على بعض الصالحين ليقبض روحه فقال مرحباً أنا والله منذ خمسين سنة أتأهب لك.
ولما بلغ عبد الله بن المبارك النزع فتح عينه ثم ضحك فقال {لمثل هذا فليعمل العاملون} .
قال بعض العلماء: من أراد أن ينال الجنة فعليه أن يداوم على خمسة أشياء:
الأول أن يمنع نفسه من المعاصي قال الله تعالى: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}
والثاني أن يرضى باليسير من الدنيا لأنه روى في الخبر «إن ثمن الجنة الطاعة وترك الدنيا» .
والثالث أن يكون حريصاً على الطاعات ويتعلق بكل طاعة فلعل تلك الطاعة تكون سبب المغفرة ووجوب الجنة قال الله تعالى {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} .
والرابع أن يحب الصالحين وأهل الخير ويخالطهم ويجالسهم، فإن الصالح إذا غفر له يشفع لإخوانه وأصحابه.
والخامس أن يكثر الدعاء ويسأل الله تعالى أن يرزقه ويختم له بخير.
والحاصل أنه لا بد للعاقل من التأهب لمعاده بتزكية النفس وإصلاح القلب.
[1] الأولى أن يحمل ذلك على مجاهدة النفس حتى لا ينام، لا على عذابها، والله أعلم.