فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 3176

{لاَ يُؤْمِنُونَ}

وفي الآية الكريمة إخبار بالغيب على ما هو به إن أريد بالموصول أشخاص بأعيانهم فهي من المعجزات الباهرة.

وفي الآية إثبات فعل العباد فإنه قال لا يؤمنون وفيه إثبات الاختيار ونفى الإكراه والإجبار فإنه لم يقل لا يستطيعون بل قال لا يؤمنون.

فإن قلت: لما علم الله أنهم لا يؤمنون فلم أمر النبي عليه السلام بدعائهم؟

قلت: فائدة الإنذار بعد العلم بأنه لا ينجع إلزام الحجة كما أن الله تعالى بعث موسى إلى فرعون ليدعوه إلى الإسلام وعلم أنه لا يؤمن قال الله تعالى: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} (النساء: 165) وقال: {وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ} (طه: 134) .

فإن قلت: لما أخبر الله رسوله أنهم لا يؤمنون؟ فهلا أهلكهم كما أهلك قوم نوح بعدما أخبر أنهم لا يؤمنون؟

قلت: لأن النبي عليه السلام كان رحمة للعالمين كما ورد به الكتاب وقد قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (الأنفال: 33)

ثم إن الإخبار بوقوع الشيء أو عدمه لا ينفي القدرة عليه كإخباره تعالى عما يفعله هو أو العبد باختياره فلا يلزم جواز تكليف ما لا يطاق.

قال الإمام القشيري: من كان في غطاء صفته محجوباً عن شهود حقه فسيان عنده قول من دلّه على الحق وقول من أعانه على استجلاب الحظ بل هو إلى داعي الغفلة أميل وفي الإصغاء إليه أرغب، وكما أن الكافر لا يرعوي عن ضلالته لما سبق من شقاوته فكذلك المربوط بأغلال نفسه محجوب عن شهود غيبه وحقه فهو لا يبصر رشده ولا يسلك قصده.

وقال أيضاً: إن الذي بقي في ظلمات دعاويه سواء عنده نصح الراشدين وتسويلات المبطلين لأن الله تعالى نزع من أحواله بركات الإنصاف فلا يصغي إلى داعي الرشاد كما قيل:

وعلى النصوح نصيحتي ... وعلي عصيان النصوح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت