[فصل]
احتج بالآية من زعم فضل الملائكة على الأنبياء عليهم السلام وقال مساقه لرد النصارى في رفع المسيح عن مقام العبودية وذلك يقتضي أن يكون المعطوف وهو {ولا الملائكة المقربون} أعلى درجة من المعطوف عليه وهو المسيح حتى يكون عدم استنكافهم مستلزماً لعدم استنكافه عليه السلام.
وأجيب بأن مناط كفر النصارى ورفعهم له عليه السلام عن رتبة العبودية لما كان اختصاصه عليه السلام وامتيازه عن سائر أفراد البشر بالولادة من غير أب وبالعلم بالمغيبات وبالرفع إلى السماء عطف على عدم استنكافه عن عبوديته عدم استنكاف من هو أعلى درجة منه فيما ذكر، فإن الملائكة مخلوقون من غير أب ولا أم وعالمون بما لا يعلمه البشر من المغيبات ومقامهم السماوات العلى ولا نزاع لأحد في علو درجتهم من هذه الحيثية
وإنما النزاع في علوها من حيث كثرة الثواب على الطاعات كذا في «الإرشاد» .
قال في «التأويلات النجمية» عند قوله تعالى: {وَلاَ الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ}
ما ذكرهم للفضيلة على عيسى، وإنما ذكرهم لأن بعض الكفار قالوا: الملائكة بنات الله كما قالت النصارى {الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} قال تعالى: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى} (النجم: 21 - 22) بل فضل الله المسيح عليهم بتقديم الذكر لأن المسيح نسب إليه بالبنوة ونسبت الملائكة إليه بالبنتية، وللذكر فضيلة وتقدم على الإناث كقوله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} (النساء: 11)
فقدم الله الذكر على الأنثى وجعل له سهمين وللأنثى واحداً، فكما أن للذَّكَر فضيلة على الأنثى فكذلك للمسيح فضيلة على الملائكة، وفضيلته على الملائكة أكبر وأعظم يدل عليه ما صح عن جابر رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قال: «لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة يا رب كما خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة قال الله تعالى: لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان»
وأنا أقول ومن فضيلة عيسى على الملائكة أنه اجتمع فيه ما كان شرفاً لآدم لأنه من ذريته من قبل الأم وما كان شرفاً للملائكة إذ قال له أيضاً كن فكان فقد وجد في عيسى ما لم يوجد في الملائكة ولم يوجد في الملائكة شيء لا يوجد في عيسى فافهم جداً انتهى كلام «التأويلات» .