[فصل]
واعلم: أن الله تعالى كما أعطى المال والجاه ليتميز من هو على الشكر ومن هو على الكفران، كذلك أعطى الحال، أي استعداد الخلافة ليظهر من المتخلق بأخلاق الله القائم بأوامره في العباد والبلاد ومن الذي رجع القهقرى إلى صفات البهائم والأنعام، فمن أضاع صفات الحق بتبديلها بصفات الحيوانات عوقب بالختم على قلبه وسمعه وبصره، فهو لا يرجع إلى مكان الغيب الذي خرج منه بل حبس في أسفل سافلين الطبيعة، ومن تاب عن متابعة النفس والهوى ومخالفة الحق والهدى وآمن وعمل عملاً صالحاً للخلافة فقد اهتدى ولم يرجع القهقرى.
-حكي - عن إبراهيم بن أدهم أنه حج إلى بيت الله الحرام فبينما هو في الطواف؛ إذ بشاب حسن الوجه قد أعجب الناس حسنه وجماله، فصار إبراهيم ينظر إليه ويبكي، فقال بعض أصحابه: إناوإنا إليه راجعون غفلة دخلت على الشيخ بلا شك ثم قال: يا سيدي ما هذا النظر الذي يخالطه البكاء؟ فقال له إبراهيم: يا أخي إني عقدت مع الله تعالى عقداً لا أقدر على فسخه، وإلا كنت أدني هذا الفتى وأسلم عليه فإنه ولدي وقرة عيني تركته صغيراً، وخرجت فارّاً إلى الله تعالى وها هو قد كبر كما ترى وإني لأستحيي من الله سبحانه أن أعود لشيء، خرجت عنه قال: ثم قال لي امض وسلم عليه لعلي أتسلى بسلامك عليه وأبرد ناراً على كبدي قال: فأتيت الفتى فقلت له بارك الله لأبيك فيك فقال: يا عم وأين أبي إن أبي
خرج فارّاً إلى الله تعالى ليتني أراه، ولو مرة واحدة وتخرج نفسي عند ذلك هيهات وخنقته العبرة وقال والله أودّ أني رأيته وأموت في مكاني، قال: ثم رجعت إلى إبراهيم وهو ساجد في المقام وقد بلّ الحصى بدموعه وهو يتضرع إلى الله تعالى ويقول:
هجرت الخلق طراً في هواك ... وأيتمت العيال لكي أراك
فلو قطعتني في الحب إرباً ... لما سكن الفؤاد إلى سواك
قال: فقلت له ادع له، فقال: حجبه الله عن معاصيه وأعانه على ما يرضيه انتهى.
فانظر إلى حال من ترك السلطنة واختار الفقر والقناعة وأنت تؤثر الغنى والمقال على الفقر والحال.
جعلنا الله وإياكم من المقتفين لآثار سنة سيد المرسلين، وحقق آمالنا من الوصول إلى مقام التوكل واليقين، إنه لا يخيب رجاء سائله وداعيه ولا يقطع أجر عبده في كل مساعيه.