ويقال: الندامة أربع:
ندامة يوم وهي أن يخرج الرجل من منزله قبل أن يتغدى، وندامة سنة وهي ترك الزراعة في وقتها، وندامة عمر وهو أن يتزوج امرأة غير موافقة، وندامة الأبد وهو أن يترك أمر الله ومجرد قراءة الكتاب بترياق الظاهر لا يدفع سم الباطن فلا بد من العمل كما أن من كان ينظر إلى كتب الطب وكان مريضاً فما دام لم يباشر العلاج لا يفيد نظره بالأدوية وكان خلقه صلى الله تعالى عليه وسلم القرآن يعني يعمل بأوامره وينتهي عن نواهيه.
واعلم أن العمل بالعلوم الظاهرة لا يمكن إلا بعد معرفة المراتب الأربع مثلاً يعرف بالعلم الظاهر أن حكم الزنى الرجم والجلد ولكن في الوجود الإنساني محل يقتضي الوقاع والسفاح فأهل الإرشاد يقمعون المقتضى المذكور عن ذلك المحل وكذا الحال في الأكل والشرب وغيرهما والمرء وإن كان متبحراً في العلوم ومتفنناً في القوانين والرسوم فإن كان لم يصلح حاله بالعمل في تزكية النفس وتصفية القلب فإنه لا يعتبر بل جهله أغلب
ونعم ما قيل:
حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء
-حُكِيَ - أن نصير الدين الطوسي: دخل على ولي من أولياء الله تعالى لأجل الزيارة فقيل له هذا عالم الدنيا نصير الدين الطوسي قال الولي ما كماله قيل ليس له عديل في علم النجوم قال الولي الحمار الأبيض أعلم منه فانحرف الطوسي وقام من مجلسه فاتفق أنه نزل تلك الليلة على باب بيت طاحونة فقال الطحان: ادخل البيت فإنه سيكون الليلة مطر عظيم حتى لو لم يغلق الباب لأخذه السيل فسأل الطحان عن وجهه فقال لي حمار أبيض إذا حرك ذنبه إلى جانب السماء ثلاثاً لم تمطر السماء، وإذا حركه إلى جانب الأرض يقع المطر فلما سمعه اعترف بعجزه وصدق الولي وزال غيظه.
-وحكي - أن ولياً قال لابن سينا: أفنيت عمرك في العلوم العقلية فإلى أي مرتبة وصلت؟
قال: وجدت ساعة من ساعات الأيام يكون الحديد فيها كالخمير فقال الولي: أخبرني عن تلك الساعة فلما جاءت الساعة أخبره وأخذ بيده حديداً فنفذ فيه أصبعه فبعد مضي الساعة قال الولي: هل تقدر على تنفيذ أصبعك أيضاً؟ قال: لا فإنه من خصائص تلك الساعة ولا يمكن فأخذه الولي ونفذ أصبعه فيه وقال ينبغي للعاقل أن لا يصرف عمره إلى الزائل الفاني فكما أن ابن سينا ادعى استقلال العقل في طريق الوصول فألقى في جهنم كذلك اليهود خذلهم الله أنفوا من أتباع محمد صلى الله عليه وسلّم والعمل بما جاء به من عند الله وادعوا الاستقلال فخابوا وخسروا وبقوا في ظلمة الجهل والكفر.