{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136) }
فإن قلت: لم قيل نزل على رسوله وأنزل من قبل؟
قلت: لأن القرآن نزل منجماً مفرقاً بخلاف الكتب قبله فالمراد بالكتاب الأول القرآن وبالثاني الجنس المنتظم لجميع الكتب السماوية لقوله تعالى: {وَكُتُبِهِ} وبالإيمان به الإيمان بأن كل كتاب من تلك الكتب منزل منه على رسول معين لإرشاد أمته إلى ما شرع لهم من الدين بالأوامر والنواهي، لكن لا على أن يراد الإيمان بكل واحد من تلك الكتب بل خصوصية ذلك الكتاب، ولا على أن أحكام تلك الكتب وشرائعها باقية بالكلية، ولا على أن الباقي منها معتبر بالإضافة إليها بل على أن الإيمان بالكل مندرج تحت الإيمان بالكتاب المنزل على رسوله، وأن أحكام كل منها كانت حقة ثابتة إلى ورود نسخها، وأن ما لم ينسخ منها إلى الآن من الشرائع والأحكام ثابتة من حيث إنها من أحكام هذا الكتاب الجليل المصون عن النسخ والتبديل.
وقيل: الخطاب للمنافقين كأنه قيل: يا أيها الذين آمنوا نفاقاً وهو ما كان بالألسنة فقط آمنوا إخلاصاً وهو ما كان بها وبالقلوب.
وقيل الخطاب لمؤمني أهل الكتاب إذ روي أن ابن سلام وأصحابه قالوا: يا رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير ونكفر بما سواه فنزلت فالمعنى حينئذٍ آمنوا إيماناً عاماً شاملاً يعم الكتب والرسل فإن الإيمان بالبعض كلا إيمان.
{وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} أي: بشيء من ذلك لأن الكفر ببعضه كفر بكله ألا ترى كيف قدم الأمر بالإيمان بهم جميعاً وزيادة الملائكة واليوم الآخر في جانب الكفر لما أنه بالكفر بأحدها لا يتحقق الإيمان أصلاً وجمع الكتب والرسل لما أن الكفر بكتاب أو برسول كفر بالكل، وتقديم الرسول فيما سبق لذكر الكتاب بعنوان كونه منزلاً عليه، وتقديم الملائكة والكتب على الرسل لأنهم وسائط بين الله وبين الرسل في إنزال الكتب.