(سوف، وعسى، ولعل) في وعد الأكابر والعظماء يدل على صدق الأمر وجده، ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت، وإنما يعنون بذلك إظهار وقارهم وترك استعجالهم، فعلى ذلك جرى وعد يعقوب كأنه قال إني استغفر لكم لا محالة وإن تأخر، كما في بحر العلوم.
وعن الشعبي قال: سوف أستغفر لكم ربي قال أسأل يوسف إن عفا عنكم أستغفر لكم ربي، فإن عفو المظلوم شرط المغفرة، فأخر الاستغفار إلى وقت الاجتماع بيوسف، فلما قدموا عليه في مصر قام إلى الصلاة في السحر ليلة الجمعة، وكانت ليلة عاشوراء، فلما فرغ رفع يديه، وقال: اللهم اغفر جزعي على يوسف وقلة صبري عنه واغفر لولدي ما أتوا به أخاهم، وقام يوسف خلفه يؤمن، وقام أخوته خلفهما أذلة خاشعين، فأوحى الله إليه إن الله قد غفر لك ولهم أجمعين ثم لم يزل يدعو لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة إلى أن حضره الوفاة.
والتحقيق في هذا المقام ما قاله حضرة شيخي وسندي قدس الله سره في بعض تحريراته وهو أنه تعالى قال في حكاية قول يوسف عليه السلام: {يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين} وقال في حكاية قول يعقوب عليه السلام: سوف استغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم وذلك لأنه انبعث من غيب قلب يوسف النظر إلى ما نال إليه بسبب إخوته من النعماء والآلاء وانبعث أيضاً من غيب قلبه النية والإرادة للاستغفار لهم، فقال بلا توقف ولا تأخر: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين أي: وهو أرحم بكم مني ومن أبي ومنكم ومن سائر الراحمين وهو يرحمكم ويغفر لكم بسبب استغفاري لكم قدر ما نلت إليه بسبب ابتلائي بكم بل فوقه؛ إذ لولا رحمته ومغفرته لكم لما ابتلاني بكم ولما أنالني إلى ما رأيتم من السلطنة الظاهرة والباطنة والنعمة التامة الكاملة، ولم ينبعث عن غيب قلب يعقوب عليه السلام ذلك، بل انبعث النظر إلى ما وصل إليه بسببهم من العناء والمحن، ولم ينبعث النية للاستغفار لهم، بل توقف وتأخر إلى انبعاث النية من جانب الغيب حتى يستغفر لهم بالنية الصادقة المأذونة من قبل الحق تعالى فقال إشارة إلى هذا وتنبيهاً لهم عليه {سوف استغفر لكم ربي} حين تنبعث نية الاستغفار إلى قلبي من قبل العزيز الغفار ولا تستعجلوا {إنه هو الغفور الرحيم} لأنه كما أنزل عليّ هذه المنح في صورة المحن من قبلكم يرحمكم ويغفر لكم ولولا إرادته الرحمة والمغفرة لكم لما ابتلاكم بهذا البلاء، ولكن هذه الوقعة نعمة في صورة النقمة ورحمة في صورة الغضب، الحمد لله على ما أنعم وهو الأكرم والأرحم وأصل ذلك إرادة الحق سبحانه أن يتجلى لهم بالقبض والجلال من جانب أبيهم، وبالبسط والجمال من جانب أخيهم حتى ينالوا إلى مرتبة الصبر بالتجلي الأول، ويصلوا إلى مرتبة الشكر بالتجلي الثاني.