فهرس الكتاب

الصفحة 589 من 3176

ثم الإشارة في الآيات أن مفارقة الإشكال من الأصدقاء والعيال لمصلحة دنيوية {لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} فيها فكيف يكون جناح إن فارقتموهم لمصلحة دينية بل أنتم مأمورون بمفارقتهم لزيارة بيت الله فكيف لزيارة الله فإن الواجب في زيارة بيت الله مفارقة الأهالي والأوطان وفي زيارة الله مفارقة الأرواح والأبدان دع نفسك وتعال قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون وقوله تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ} إشارة إلى أن من له من الطلاب وأهل الإرادة مال فليمتع به أقرباءه وأحباءه حين فارقهم في طلب الحق سبحانه ليزيل عنهم بحلاوة المال مرارة الفراق فإن الفطام عن المألوف شديد ولا ينفق المال عليهم بقدر قربهم في القرابة وبعدهم بل يقسم بينهم على فرائض الله كالميراث فإنه قد مات عنهم بالحقيقة وفي قوله تعالى: {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} إشارة إلى أن الوصول إلى تقوى الله حق تقاته إنما هو بترك ما سوى الله والتجاوز عنه فإن المواصلة إلى الخالق على قدر المفارقة عن المخلوق والتقرب إلى الله بقدر التبعد عما سواه وفي قوله تعالى: {وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} ههنا في الدنيا فإن حلول الجنة ودخولها هناك لا يكون إلا من فضله كقوله تعالى: {الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ} (فاطر: 35) إن الله بما تعملون في وجدان الفضل وفقدانه {بَصِيرٌ} كذا في «التأويلات النجمية» .

وإنما يوجب للعبد الالتفات للخلائق فقدان النور الكاشف للخلائق وإلا فلو أشرق نور اليقين الهادي إلى العلم بأن الآخرة خير من الدنيا وأن ما عند الله خير وأبقى لرأيت الآخرة أقرب من أن يرحل إليها، ولرأيت محاسن الدنيا وقد ظهرت كسفة الفناء عليها لأن الآتي قطعاً كالموجود في الحال لا سيما ومباديه ظاهرة من تغير الأحوال وانتقال الأهلين والأموال قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم «إن النور إذا دخل القلب انفسح وانشرح»

قيل: يا رسول الله وهل له من علامة يعرف بها قال: «التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله» انتهى.

اللهم اجعلنا ممن استعد للقائك وتهيأ لنوال وصالك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت