اعلم أن الحكمة في التعوذ الاستئذان وقرع الباب لأن من أتى باب ملك من الملوك لا يدخل إلا بإذنه كذلك من أراد قراءة القرآن إنما يريد الدخول في المناجاة مع الحبيب فيحتاج إلى طهارة اللسان لأنه قد تنجس بفضول الكلام والبهتان فيطهره بالتعوذ.
قال أهل المعرفة هذه الكلمة وسيلة المتقربين واعتصام الخائفين وعتبى المجرمين ورجعى الهالكين ومباسطة المحبين وهو امتثال قول رب العالمين في سورة النحل (فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) فالاستعاذة مقدمة على القراءة عند عامة المسلمين وقولهم الجزاء متأخر عن الشرط فيلزم أن يؤخر الاستعاذة قلنا المعنى إذا أردت القراءة وهو تأويل شائع جار مجرى الحقيقة العرفية
وقول القائل أعوذ إخبار عن فعله وهو في التقدير سؤال الله عز وجل من فضله أي أعذني يا رب وفي العدول إلى لفظ الخبر فائدة التفأل بالوقوع كأنه وقع الإعاذة فيخبر عن مطاوعه وسره ما في التفسير الكبير أن بين الرب وعبده عهدا قال الله أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ فكأنه يقول أنا مع نقص البشرية وفيت بعهد عبوديتي وقلت أعوذ بالله أو أستغفر الله فأنت مع كمال الكرم والفضل أولى أن تفي بعهد الربوبية وتعيذني.