فهرس الكتاب

الصفحة 869 من 3176

{وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ(143)}

{وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ} أي الحرب فإنها من مبادي الموت أو الموت بالشهادة، والخطاب للذين لم يشهدوا بدراً وكانوا يتمنون أن يشهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم مشهداً لينالوا ما ناله شهداء بدر من الكرامة فألحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلّم في الخروج ثم ظهر منهم خلاف ذلك.

{مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ} أي من قبل أن تشاهدوه وتعرفوا هوله وشدته {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ} أي ما تتمنونه من أسباب الموت أو الموت بمشاهدة أسبابه {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} معاينين مشاهدين له حين قتل بين أيديكم من قتل من إخوانكم وأقاربكم وشارفتم أن تقتلوا فلم فعلتم ما فعلتم وهو توبيخ لهم على تمنيهم الحرب وتسببهم لها ثم جبنهم وانهزامهم لا على تمني الشهادة بناء على أن في تمنيها تمني غلبة الكافر المسلم لأن قصد متمني الشهادة إلى نيل كرامة الشهداء من غير أن يخطر بباله شيء غير ذلك فلا يستحق العتاب من تلك الجهة كما أن من يشرب دواء الطبيب النصراني يقصد إلى حصول المأمول من الشفاء ولا يخطر بباله أن فيه جر منفعة وإحساناً إلى عدو الله وتنفيقاً لصناعته.

واعلم أن حاصل الكلام أن حب الدنيا لا يجتمع مع سعادة الآخرة، فبقدر ما يزداد أحدهما ينتقص الآخر، وذلك لأن سعادة الدنيا لا تحصل إلا باشتغال القلب بطلب الدنيا، وسعادة الآخرة لا تحصل إلا بفراغ القلب من كل ما سوى الله وامتلائه من حب الله، وهذان الأمران مما لا يجتمعان، فلهذا السر وقع الاستبعاد الشديد في هذه الآية من اجتماعهما.

وأيضاً حب الله وحب الآخرة لا يتم بالدعوى فليس كل من أقر بدين الله كان صادقاً، ولكن الفصل فيه تسليط المكروهات والمحرمات، فإن الحب هو الذي لا ينتقص بالجفاء، ولا يزداد بالوفاء، فإن بقي الحب عند تسلط أسباب البلاء ظهر أن ذلك الحق كان حقيقياً، فلهذه الحكمة قال: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ} بمجرد تصديقكم الرسول قبل أن يبتليكم الله بالجهاد وتشديد المحنة.

قال القشيري رحمه الله:

من ظن أنه يصل إلى محل عظيم دون مقاساة الشدائد ألقته أمانيه في مهواة الهلاك، وأن من عرف قدر مطلوبه سهل عليه بذل مجهوده قال الشاعر:

وما جاد دهر بلذاته ... على من يضن بخلع العذار

فالدولة العظمى هي سعادة الآخرة فإنها باقية ودولة الدنيا فانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت