فهرس الكتاب

الصفحة 1081 من 3176

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77) }

اعلم أن الآخرة خير من الدنيا لأن نعم الدنيا قليلة ونعم الآخرة كثيرة ونعم الدنيا منقطعة ونعم الآخرة مؤبدة ونعم الدنيا مشوبة بالهموم والغموم والمكاره ونعم الآخرة صافية عن الكدورات ونعم الدنيا مشكوكة فإن أعظم الناس تنعماً لا يعرف أنه كيف تكون عاقبته في اليوم الثاني ونعم لآخرة يقينية.

فعلى العاقل أن يختار ما هو خير من كل وجه وهو الآخرة على ما هو شر من كل جهة وهو الدنيا.

-روي - أن رجلاً اشترى داراً فقال لعلي - رضي الله عنه: اكتب القبالة فكتب

(بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد اشترى مغرور من مغرور داراً دخل فيها في سكة الغافلين، لا بقاء لصاحبها فيها، الحد الأول ينتهي إلى الموت، والثاني إلى القبر، والثالث إلى الحشر، والرابع إلى الجنة أو إلى النار والسلام)

فقرأ على الرجل فرد الدار وتصدق بالدنانير كلها وتزهد في الدنيا، فهذا هو حال العارفين حقيقة الحال.

قال القشيري رحمه الله:

مكنك من الدنيا ثم قللها فلم يعدها لك شيئاً، ثم لو تصدقت منها بشق تمرة استكثر منك، وهذا غاية الكرم

وشرط المحبة وهو استقلال الكثير من نفسه، واستكثار القليل من حبيبه، وإذا كان قيمة الدنيا قليلة فأخس من الخسيس من رضي بالخسيس بدلاً من النفيس.

وقال: إن الله تعالى اختطف المؤمن من الكون بالتدريج فقال أولاً: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} فاختطفهم من الدنيا بالعقبى ثم استلبهم عن الكونين بقوله: {وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} فلا بد للسالك أن يترقي إلى أعلى المنازل ويسعى من غير فتور وكلال.

وثمرة المجاهدة لا تضيع ألبتة بل تجزي كل نفس بما عملت.

قال بعض المشايخ إنما جعل الدار الآخرة محلاً لجزاء عباده المؤمنين؛ لأن هذه الدار لا تسع ما يريد أن يعطيهم ظاهراً وباطناً وكل ما في الجنة لا يوافق ما في الدنيا إلا من حيث التسمية، ولأنه تعالى أجل أقدارهم عن أن يجازيهم في دار لا بقاء لها قال تعالى: {وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى}

ثم الجزاء في تلك الدار له علامة في هذه الدار وهي أنه من وجد ثمرة عمله عاجلاً وهي الحلاوة فيه والتوفيق لغيره والشكر عليه

فهو دليل على وجود القبول لأن الجزاء على ذلك مقصور.

قال إبراهيم بن أدهم: لو يعلم الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف.

وقال بعضهم: ليس شيء من البر إلا ودونه عقبة يحتاج إلى الصبر فيها فمن صبر على شدتها أفضى إلى الراحة والسهولة

وإنما هي مجاهدة النفس ثم مخالفة الهوى ثم المكابدة في ترك الدنيا ثم اللذة والتنعم

وإنما يطيع العبد ربه على قدر منزلته منه فمن سره أن يعرف منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله في قلبه.

وقيل لبعضهم: هل تعرف الله؟ فغضب وقال: تراني أعبد من لا أعرف؟! فقال له السائل: أوَتعصي من تعرف؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت