فهرس الكتاب

الصفحة 2202 من 3176

{وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(106)}

فإن قلت: إما للشك والله تعالى منزه عنه إذ هو عالم بما يصير إليه أمرهم؟

قلت: الترديد راجع إلى العباد، والمعنى ليكن أمرهم عندكم بين الخوف والرجاء.

وقال أبو البقاء: إذا كانت {إما} للشك جاز أن يليها الاسم، وجاز أن يليها الفعل، فإن كانت للتخيير وقع الفعل بعدها وكانت معه {أن} كقوله: {إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ} .

[فصل]

والآية نزلت في ثلاثة نفر من المتخلفين وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية كانوا من أهل بدر ومياسير ومع ذلك تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم في غزوة تبوك.

أخر الله تعالى أمرهم مدة ثم بين توبتهم على أجمل الوجوه حيث قرن توبتهم بتوبته تعالى على النبي صلى الله عليه وسلّم والمهاجرين والأنصار.

وعلم منه أن الهجران للتربية جائز ولو فوق ثلاثة أيام، ألا ترى إلى الأصحاب كيف قطعوا سلامهم وكلامهم من أولئك الثلاثة إلى أن بلغ الكتاب أجله، وأن إخلاص النية وتفويض الأمور إلى الله تعالى سبب لرحمة الله تعالى، وأن البكاء أيضاً مدار لقبول التوبة وإخلاص الحال، فلا بد من الاستغفار والبكاء على الأوزار.

حكي عن بعض أصحاب فتح الموصلي قدس سره قال: دخلت يوماً على فتح فوجدته يبكي وقد خالطت دموعه صفرة، فقلت له بالله عليك يا سيدي هل بكيت الدم؟ فقال والله لولا أنك أقسمت علي بالله عز وجل ما أخبرتك بكيت الدمع وبكيت الدم، فقلت علامَ بكيت الدم؟ قال: على تخلفي عن الله تعالى، فعلام بكيت الدم قال على الدموع أن لا تصح لي أن لا تقبل مني، قال: فلما توفي رأيته في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ قال غفر لي وقربني ربي وقال: يا فتح بكيت كل هذا البكاء على ماذا؟ فقلت يا رب على تخلفي عن حقك، قال والدم لم بكيته؟ قلت: يا رب على الدموع أن لا تصح لي، قال: يا فتح فما أردت بهذا كله وعزتي وجلالي لقد صعد إليّ حافظاك أربعين سنة بصحيفتك وما فيها خطيئة.

فهذه حال أكابر أولياء الله تعالى يسيئون الظن بأنفسهم ويجتهدون في الله وإن علموا العفو والمغفرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت