{ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} مع علو طبقتك وسمو رتبتك وما في {ثُمَّ} من التراخي في الرتبة للتنبيه على أن أجل ما أوتي إبراهيم اتباع الرسول ملته.
{وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} بل كان قدوة الموحدين، وهو تكرير لما سبق لزيادة تأكيد وتقرير لنزاهته عما هم عليه من عقد وعمل.
قال العلماء المأمور به الاتباع في الأصول دون الفروع المتبدلة بتبدل الأعصار، واتباعه له بسبب كونه مبعوثاً بعده وإلا فهو أكرم الأولين والآخرين على الله.
وكان صلى الله عليه وسلّم على دين قومه قبل النبوة أي: على ما بقي فيهم من إرث إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في حجهم ومناسكهم وبيوعهم وأساليبهم.
وأما التوحيد فإنهم كانوا قد بدلوه والنبي عليه السلام لم يكن إلا عليه.
قال في «التأويلات النجمية» :
لما سلك النبي صلى الله عليه وسلّم طريق متابعته وأسلم وجهه لله ليذهب إلى الله كما ذهب إبراهيم {وقال إني ذاهب إلى ربي} نودي في سره إن إبراهيم كان خليلنا وأنت حبيبنا، فالفرق بينكما أن الخليل لو كان ذاهباً يمشي بنفسه فالحبيب يكون راكباً أسري به، فلما بلغ سدرة المنتهى وجد مقام الخليل عندها فقيل له إن السدرة مقام الخليل لو رضيت بها لنزينها لك {إذ يغشى السدرة ما يغشى} ولعلو همته الحبيبية {ما زاغ البصر} بالنظر إليها {وما طغى} باتخاذ المنزل عندها {ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى} وهو مقام الحبيب فبقي مع بلا هو في خلوة لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب، وهو جبريل ولا نبي مرسل، وهو هويته عليه السلام لما جاوز حد المتابعة صار متبوعاً، فإن كان صلى الله عليه وسلّم في الدنيا محتاجاً إلى متابعة الخليل، فالخليل يكون في الآخرة محتاجاً إلى شفاعته كما قال: «الناس محتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم» [1] انتهى ما في «التأويلات» .
ثم الآية تدل على شرف المتابعة فإن الحبيب مع شرفه العظيم إذا كان مأموراً بالمتابعة فما ظنك بغيره من أفراد الأمة، ففي المتابعة وصحبة الأخيار والصلحاء شرف وسعادة عظمى
ألا يرى أن عشرة من الحيوانات من أهل الجنة بشرف القرين كناقة صالح وكبش إسماعيل ونملة سليمان وكلب أصحاب الكهف.
[1] نص الحديث عند مسلم برقم (820) عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي، فَقَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَى قَرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلَاةَ دَخَلْنَا جَمِيعًا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا قَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، وَدَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَرَآ، فَحَسَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَأْنَهُمَا، فَسَقَطَ فِي نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ، وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَدْ غَشِيَنِي، ضَرَبَ فِي صَدْرِي، فَفِضْتُ عَرَقًا وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَرَقًا، فَقَالَ لِي:"يَا أُبَيُّ أُرْسِلَ إِلَيَّ أَنِ اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّانِيَةَ اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّالِثَةَ اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا مَسْأَلَةٌ تَسْأَلُنِيهَا، فَقُلْتُ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، اللهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ، حَتَّى إِبْرَاهِيمُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". اهـ.
قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : في «ثُمَّ» هذه ما فيها من تَعْظِيمِ مَنْزِلَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِجْلَالِ مَحَلِّهِ، وَالْإِيذَانِ بِأَنَّ أَشْرَفَ مَا أُوتِيَ خَلِيلُ اللَّهِ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَأَجَلَّ مَا أُوتِيَ مِنَ النِّعْمَةِ اتِّبَاعُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِلَّتَهُ، مِن قِبَلِ أن هَذِهِ اللَّفْظَةَ دَلَّتْ عَلَى تَبَاعُدِ هَذَا النَّعْتِ فِي الْمَرْتَبَةِ عَنْ سَائِرِ الْمَدَائِحِ الَّتِي أثنى الله عليه بها. اهـ {تفسير الكشاف، للزمخشري. 2/ 643}
وفي تفسير ابن عرفة:
نقل لابن عرفة: أن هذه جرت في مجلس الأستاذ أبي سعيد بن لب بالأندلس فقال: هذه الآية خرجت مخرج الثناء على إبراهيم فلم أدخل فيها النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ثم أجاب بأن في ذكره وأمره باتباع إبراهيم زيادة تشريف بملة إبراهيم صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأنشد قول ابن الرومي:
قَالُوا أَبُو الصَّقْر من شَيبَان قلت لَهُم ... كلا لعمري وَلَكِن مِنْهُ شَيبَان
وَكم أبٍ قد علا بِابْن ذرا شرفٍ ... كَمَا علا برَسُول الله عدنان
اهـ {تفسير ابن عرفة. 3/ 55} .
وفي تفسير القشيري:
كان نبينا - صلى الله عليه وسلم - في اتباعه إبراهيم مؤتمرا بأمر الله، وكانت ملة إبراهيم - عليه السلام - الخلق والسخاء والإيثار والوفاء، فاتبعه الرسول صلى الله عليه وسلم وزاد عليه، فقد زاد على الكافة شأنه، وبانت مزيّته. اهـ {لطائف الإشارات، للإمام القشيري. 2/ 328} .