{يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109) }
[موعظة]
على العبد أن يتوب قبل الموت من كل معصية توبة نصوحاً ويتدارك ما فرط من تقصيره في فرائض الله ويرد المظالم إلى أهلها حبة حبة ويستحل كل من تعرض له بلسانه شتماً أو قذفاً أو استهزاء أو غيبة ويده ضرباً وسوء ظنه بقلبه ويطيب قلوبهم حتى يموت ولم يبق عليه فريضة ولا مظلمة فما أشد فرحك اليوم بتمضمضك بأعراض الناس وتناولك أموالهم وما أشد حسرتك في ذلك اليوم إذا وقف بك على بساط العدل وشوفهت بخطاب السيئات وأنت مفلس فقير عاجز مهين لا تقدر على أن ترد حقاً أو تظهر عذراً فكيف بك يا مسكين في يوم ترى فيه صحيفتك خالية على حسنات طال فيها تعبك فتقول أين حسناتي؟ فيقال: نقلت إلى صحيفة خصمائك، فتوهم نفسك يا أخي إذا تطايرت الكتب ونصبت الموازين وقد نوديت باسمك على رؤوس الخلائق أين فلان ابن فلان؟ هلم إلى العرض على الله وقد وكلت الملائكة بأخذك فقربتك إلى الله لا يمنعها اشتباه الأسماء باسمك إذا عرفت أنك المراد بالدعاء إذا فزع النداء قلبك فعلمت أنك المطلوب فارتعدت فرائصك واضطربت جوارحك وتغير لونك وطار قلبك تخطى بك الصفوف إلى ربك للعرض عليه والوقوف بين يديه وقد رفع الخلائق إليك أبصارهم وأنت في أيديهم وقد طار قلبك واشتد رعبك لعلمك أين يراد بك قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم «يؤمر بنفر من الناس يوم القيامة إلى الجنة حتى إذا دنوا منه واستنشقوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد الله تعالى لأهلها ثم نودوا إن أصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها فيرجعون بحسرة وندامة ما رجع الأولون والآخرون بمثلها فيقولون يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثواب ما أعددت لأوليائك فيقول الله تعالى ذاك أردت بكم كنتم إذا خلوتم بي بارزتموني بالعظام فإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين ترون الناس خلاف ما ينطوي عليه قلوبكم هبتم الناس ولم تهابوني أجللتم الناس ولم تجلوني تركتم للناس ولم تتركوا لي» يعني: لأجل الناس «فاليوم أذيقكم أليم عقابي مع ما حرمتكم» يعني: من جزيل ثوابي قال تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} (النساء: 142) كذا في «تنبيه الغافلين» .
فإذا عرفت هذا فاجتهد في أن لا تكون من الذين لا يستخفون من الله واجعل خيانتك أمانة وإثمك طاعة وظلمك عدلاً وتزويرك صدقاً محضاً واستغفر الله فإن الاستغفار دواء الأوزار وبه ينفتح باب الملكوت إلى الله الملك الغفار.