فهرس الكتاب

الصفحة 1639 من 3176

[فصل]

واعلم: أن الرسل يقولون يوم الحشر: اللهم سلم سلم، ويخافون أشد الخوف على أممهم، ويخافون على أنفسهم، والمطهرون المحفوظون الذين ما تدنست بواطنهم بالشبه المضلة ولا ظواهرهم أيضاً بالمخالفات الشرعية آمنون، يغبطهم النبيون في الذي هم عليه من الأمن لما هم أي النبيون عليه من الخوف على أممهم فمن لقي الله تعالى في ذلك اليوم شاهداً له بالإخلاص مقراً بنبيه صلى الله عليه وسلّم بريئاً من الشرك، ومن السحر، بريئاً من إهراق دماء المسلمين ناصحاً لله تعالى ولرسوله محباً لمن أطاع الله ورسوله مبغضاً لمن عصى الله ورسوله، استظل تحت ظل عرش الرحمن ونجا من الغم، ومن حاد عن ذلك ووقع في شيء من هذه الذنوب بكلمة واحدة أو تغير قلبه أو شك في شيء من دينه بقي ألف سنة في الحر والهم والعذاب، حتى يقضي الله فيه بما يشاء.

[لطيفة]

-رُوِيَ - أن ملكاً من ملوك كندة كان طويل المصاحبة للهو واللذات كثير العكوف على اللعب فركب يوماً للاصطياد أو غيره، فانقطع عن أصحابه فإذا هو برجل جالس قد جمع عظاماً من عظام الموتى، وهي بين يديه يقلبها، فقال: ما قصتك أيها الرجل وما الذي بلغ بك ما أرى من سوء الحال ويبس الجلد وتغير اللون والانفراد في هذه الفلاة؟ فقال: أما ما ذكرت من ذلك فلأني على جناح سفر بعيد، وبي موكلان مزعجان يحدوان بي إلى منزل كبيت النمل مظلم القعر كريه المقر يسلماني إلى مصاحبة البلى ومجاورة الهلكى تحت أطباق الثرى، فلو تركت بذلك المنزل مع ضيقه ووحشته وارتعاء حشاش الأرض من لحمي حتى أعود رفاتاً وتصير أعظمي رماماً، لكان للبلى انقضاء وللشقاء نهاية، ولكني أدفع بعد ذلك إلى صيحة الحشر وارداً طول مواقف الجرائم، ثم لا أدري إلى أي الدارين يؤمر بي فأي حال يلتذ به من يكون هذا الأمر مصيره، فلما سمع الملك كلامه ألقى نفسه عن فرسه وجلس بين يديه، وقال: أيها الرجل لقد كدّر مقالك عليّ صفو عيشي وملك قلبي فأعد عليّ بعض قولك، فقال: له أما ترى هذه التي بين يدي؟ قال: بلى، قال هذه عظام ملوك غرّتهم الدنيا بزخرفتها واستحوذت على قلوبهم بغرورها، فألهتهم عن التأهب لهذه المصارع حتى فاجأتهم الآجال وخذلتهم الآمال وسلبتهم بهاء النعمة وستنشر هذه العظام فتعود أجساماً، ثم تجازى بأعمالها، فإما إلى دار النعيم والقرار، وإما إلى دار العذاب والبوار، ثم غاب الرجل فلم يدر أين ذهب وتلاحق أصحاب الملك به، وقد تغير لونه وتواصلت عبراته فلما جنّ عليه الليل نزع ما عليه من لباس الملك ولبس طمرين وخرج تحت الليل فكان آخر العهد به وأنشدوا:

أفنى القرون التي كانت منعمة ... كر الليلات إقبالاً وإدباراً

يا راقد الليل مسروراً بأوله ... إن الحوادث قد يطرقن أسحاراً

لا تأمنن بليل طاب أوله ... فرب آخر ليل أجج النارا

قال الإمام زين العابدين: عجبت للمتكبر الفخور الذي كان بالأمس نطفة ويكون غداً جيفة، وعجبت كل العجب لمن شك في الله وهو يرى خلقه، وعجبت كل العجب لمن أنكر النشأة الآخرة، وهو يرى النشأة الأولى، وعجبت كل العجب لمن عمل لدار الفناء، وترك دار البقاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت