{وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) }
إن قيل: لِمَ وعده الله بالكلام في الجبل؟ وفوق العلى وتحت الثرى واحد عند حضرته وهو منزه عن الجهات؟
قيل: إن في الجبل وصف الثبات والعلو والتفرد؛ لأن الأرض ما استقرت بغير الجبال فأثبتها الحق بها وأوتدها حكمة منه، وعرض الأمانة عليها لاتصافها بصفة التثبت والتمكن والتفرد والتعلي، ولذلك فضل الجبال في الأمكنة وشرفها بمشهد الكلام وتعلق تجلي الجمال وعرض الأمانة عليها وشرح الصدر المحمدي فيها ومناجاة موسى عليها، فبدا من ذلك أن في المقامات فاضلاً ومفضولاً.
{وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} من غير واسطة وكيفية كما يكلم الملائكة، وكان جبريل معه فلم يسمع ما كلمه ربه [1] ، ولذا خص باسم الكليم لاختصاصه بذلك من بين البشر، فإن سائر الأنبياء عليهم السلام إنما يكلمهم الله بواسطة الكتاب والملك.
فإن قيل: بأي شيء علم موسى أنه كلام الله؟
قيل: لم ينقطع كلامه بالنفس مع الحق كما ينقطع مع المخلوق، بل كلمه بمدد وحداني غير منقطع شاهد نفسه بمنزلة الآلة عند الصانع والآلة يحركها الأستاذ كيف يشاء لأنه ليس للآلة تصنع وتعمل.
وقيل: علم أنه كلام الحق وميزه عن غيره بأنه سمع الكلام من الجوانب الستة فصارت جميع جوارحه كسمعه فصار الوجود كله سمعاً فوجد لذة الكلام بوجوده كما وجدها بسمعه.
[1] يفتقر إلى سند صحيح، والله أعلم.