[لطيفة]
قال القشيري: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى} أي: دخلتم الدنيا بخرقة وخرجتم منها بخرقة ألا وتلك الخرقة أيضاً لبسه وما دخلت إلا بوصف التجرد، وما خرجت إلا بحكم التجرد ثم الأثقال والأوزار والأعمال والأوصال لا يأتي عليها حصر ولا مقدار، فلا مالكم أغنى، ولا حالكم يدفع عنكم، ولا شفيع يخاطبنا فيكم، ولقد تفرق وصلكم وتبدد شملكم وتلاشى ظنكم وخاب سعيكم انتهى كلام القشيري.
[فصل]
والإشارة أن المجيء إلى الله يكون بالتجريد ثم بالتفريد ثم بالتوحيد، فالتجريد هو التجرد عن الدنيا وما يتعلق بها، والتفريد هو التفرد عن الدنيا والآخرة رجوعاً إلى الله خالياً عن التعلق بهما كما كان في بدء الخلقة روحاً مجرداً عن تعلقات الكونين كقوله: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} يعين أول خلقة الروح قبل تعلقه بالقالب فإنه خلقه ثانية كما قال: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً} (المؤمنون: 14) وقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} (الأعراف: 11)
فللعبد في السير إلى الله كسب وسعي بالتجريد والتفريد عن الدنيا والآخرة كما قال: {وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} يعني من تعلقات الكونين {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ} يعني: الأعمال والأحوال التي ظننتم إنها توصلكم إلى الله تعالى {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} وبينها عند انتهاء سيركم {وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أنها توصلكم إلى الله، فإذا وصل العبد إلى سرادقات العزة انتهى سيره كما انتهى سير جبرائيل ليلة المعراج عند سدرة المنتهى، وهو منتهى سير السائرين من الملك والإنس، والتوحيد هو التوحد لقبول فيض الوحدانية عن التجلي بصفات الواحدية لتوصل العبد بجذبة {ارجعي إلى ربك} إلى مقام الوحدة ولو لم تدركه العناية الأزلية بجذبات الربوبية لانقطع عن السير في الله بالله وبقي في السدرة وهو يقول {وما منا إلا له مقام معلوم} فافهم كذا في «التأويلات النجمية» .