فإن قلت: إبليس كافر والكافر لا يدخل الجنة فكيف دخل هو؟
قلت: منع من الدخول على وجه التكرمة كما يدخلها الملائكة ولم يمنع من الدخول للوسوسة ابتلاء لآدم وحواء
{فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} من النعيم والكرامة ولم يقصد إبليس إخراج آدم من الجنة
وإنما قصد إسقاطه من مرتبته وإبعاده كما أبعد فلم يبلغ مقصده قال الله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} (طه: 122) قال الشيخ صدر الدين قدس سره في «الفكوك» لما سمع آدم قول إبليس: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} (الأعراف: 20) صدقه هو وزوجته.
وهذه القضية تشتمل على أمرين مشكلين: لم أر أحداً تنبه لهما ولا أجابني أحد من أهل العلم الظاهر والباطن عنهما وهو أنه عليه السلام بعد سجود الملائكة له بأجمعهم ومشاهدة رجحانه عليهم بذلك وبعلم الأسماء والخلافة ووصية الحق له كيف أقدم على المخالفة وتسوف بقول إبليس إلا أن تكونا ملكين وكيف لم يعلم أيضاً أن من دخل الجنة المعرفة بلسان الشريعة لم يخرج منها وأن النشأة الجنانية لا تقبل الكون والفساد فهي لذاتها تقتضي الخلود وكأن هذه الحال تدل دلالة واضحة على أن الجنة التي كان فيها ليست الجنة التي عرضها السماوات والأرض والتي أرضها الكرسي الذي هو الفلك الثامن وسقفها عرش الرحمن فإن تلك الجنة لا يخفى على من دخلها أنها ليست محل الكون والفساد ولا أن يكون نعيمها موقتاً ممكن الانقطاع فإن ذلك المقام يعطي بذاته معرفة ما تقتضيه حقيقته وهو عدم انقطاع نعيمها بموت أو غيره كما قال الله تعالى: {عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} (هود: 108) أي: غير منقطع ولا متناه فافهم.
فحال آدم وحواء في هذه القضية كحال بني إسرائيل الذين قال الله في حقهم: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ} (البقرة: 61) الآية.
ولهذه المناسبة والمشاركة أردف الحق قصة آدم في سورة البقرة بقصة موسى وبني إسرائيل مع ما بينهما من طول المدة فراعى سبحانه في ذلك المضاهاة في الفعل والحال دون الزمان فهذا من أسرار القرآن انتهى كلام الشيخ.