فهرس الكتاب

الصفحة 715 من 3176

[موعظة]

اعلم أن المبتلى بالكفر مغلوب الحكم الأزلي بالشقاوة ثم مغلوب الهوى والنفس والشيطان ولذات الدنيا، فغلبات الهوى والنفس ترد إلى أسفل سافلين الطبيعة فيعيش فيها ثم يموت على ما عاش فيه، ويحشر على ما مات عليه في قعر جهنم وبئس المهاد فإنه مهده في معاشه والنار ناران: نار الله ونار الجحيم، فأما نار الله فهي نار حسرة القطيعة عن الله فيها يعذب قلوب المحجوبين عن الله كقوله تعالى: {نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ} (الهمزة: 6 - 7) .

وأما نار الجحيم فهي نار الشهوات والمعاملات على الغفلات من المخالفات فهي تحرق قشور الجلود كما قال تعالى: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً} (النساء: 56) ولا يتخلص من هذه النار إلا لب القلوب وإن عذاب حرقة الجلد بالنسبة إلى عذاب حرقة القلوب كنسيم الحياة وسموم الممات فلا بد من تزكية النفس فإنها سبب للخلاص من عذاب الفرقة.

قيل لبعضهم: بم يتخلص العبد من نفسه؟ قال: بربه انتهى.

فإذا أراد الله أن ينصر عبده على ما طلب منه أمده بجنود الأنوار فكلما اعترته ظلمة قام لها نور فأذهبها وقطع عنه مواد الظلم والأغيار فلم يبق للهوى مجال ولا للشهوة والأخلاق الذيمة مقال ولا قال، فالنور جند القلب كما أن الظلمة جند النفس، والمراد بالنور حقائق ما يستفاد من معاني الأسماء والصفات، وبالظلمة معاني ما يستفاد من الهوى والعوائد الرديئة قال تعالى: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا} (النمل: 34) أي غيروا حالها عما هي عليه وكذلك إذا وردت الواردات الربانية على القلوب الممتلئة أخرجت منها كل صفة رديئة وكستها كل خلق زكية فهذه الدولة إنما تنال بترك الدنيا والعقبى فكيف يمتلئ بالأنوار قلب من خالط الأغيار وأحب المال والأولاد ولم يخف من رب العباد.

وقدم على الأستاذ أبي علي الدقاق رحمه الله فقير وعليه مسح وقلنسوة فقال له بعض أصحابه: بكم اشتريت هذا المسح على وجه المطايبة؟ فقال: اشتريته بالدنيا فطلب مني بالآخرة فلم أبعه.

قال أبو بكر الوراق رحمه الله طوبى للفقراء في الدنيا والآخرة فسألوه عنه فقال: لا يطلب السلطان منه في الدنيا الخراج ولا الجبار في الآخرة الحساب.

حققنا الله وإياكم بحقائق التوحيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت