[فصل]
واعلم أن المراد بالتربص هنا الامتناع عن النكاح والامتناع عن الخروج من المنزل الذي توفى عنها زوجها فيه والامتناع على التزين وهذا اللفظ كالمجمل لأنه ليس فيه بيان أنها تتربص في أي: شيء إلا أنا نقول: الامتناع عن النكاح مجمع عليه.
وأما الامتناع عن الخروج من المنزل فواجب إلا عند الضرورة والحاجة.
وأما ترك التزين فهو واجب لما روي عن عائشة وحفصة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوجها أربعة أشهر وعشراً»
وإنما وجب الحداد لأنه لما حرم عليها النكاح في العدة أمرت بتجنب الزينة حتى لا تكون بصفة الملتمسة للأزواج ولإظهار التأسف على فوت نعمة النكاح الذي كان سبب مؤونتها وكفايتها من النفقة والسكنى وغير ذلك. والحداد على الميت ثلاثة أيام وتمس المرأة الطيب في الثالث لئلا يزيد الحداد على ثلاثة أيام فإنها لو مسته في الرابع لازداد الحداد من اليوم الرابع. وهو حرام ومن السنة أن يتوقى رسوم الجاهلية من شق الجيوب وضرب الخدود وحلق الشعر كما كان عادة العرب وكذا قطعه كما كان عادة العجم وكذا رفع الصوت بالبكاء والنوح وقد برئ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ممن يفعل شيئاً من ذلك لأنها عادات الجاهلية وأكثر أهالي هذا الزمان في أكثر البلدان مبتلون بأمثال هذه العادات لا سيما النساء فإنهن يلبسن الألبسة السود إلى أن تمضي أيام بل شهور كثيرة وربما ترى رجلاً لا يلبس لباس الجمع والأعياد فلو سئل فيه لأجاب بقوله: مات أبي وأمي أو غيرهما وذلك بعد ما مضى من زمان الوفاة شهور. وكذا الرافضة قد تغالت في الحزن لمصيبة الحسين رضي الله عنه وأحدت عليها حيث اتخذوا يوم عاشوراء مأتماً لقتله رضي الله عنه فيقيمون في مثل هذا اليوم العزاء ويطيلون النوح والبكاء ويظهرون الحزن والكآبة ويفعلون فعل غير أهل الإصابة ويتعدون إلى سب بعض الصحابة وهذا عمل أهل الضلال المستوجبين من الله الخزي والنكال كأنهم لم يسمعوا ما ورد في النهي عن الحداد ومن الله الرشاد.
والإشارة في الآية: أن موت المسلم لم يكن فراقاً اختياراً للزوج فكانت مدة وفاته أطول فكذا العبد الطالب فإن حال الموت بينه وبين مطلوبه من غير اختياره فالوفاء بحصول مطلوبه في مدة كرم محبوبه كما قال تعالى: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللَّهِ} (النساء: 100) ففي هذا تسلية قلوب المؤمنين لئلا يقطع عليهم طريق الطلب وساوس الشيطان وهو رجس النفس بأن طلب الحق أمر عظيم وشأن خطير وأنت ضعيف والعمر قصير فإن منادي الكرم من سرادقات الفضل ينادي ألا من طلبني وجدني فإن الطلاب في طلبي كذا في «التأويلات النجمية» قدس الله تعالى نفسه الزاكية القدسية المرضية.