{وَمَا يَشْعُرُونَ}
لتماديهم في الغفلة والغواية جعل طوق وبال الخداع ورجوع ضررهم إليهم في الظهور كالمحسوس الذي لا يخفى إلا على مؤوف الحواس وهذا تنزيل لهم منزلة الجمادات وحط من مرتبة البهائم حيث سلب منهم الحس الحيواني فهم ممن قيل في حقهم {بَلْ هُمْ أَضَلُّ} فلا يشعرون أبلغ وأنسب من لا يعلمون.
ثم في هذه الآية نفي العلم عنهم وفي قوله: {وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (آل عمران: 71) إثبات العلم لهم والتوفيق بينهما أنهم علموا به حقيقة ولكن لم يعملوا بما علموا فكأنهم لم يعلموا وهو كقوله عز وجل: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} (البقرة: 81) فكانوا ناطقين سامعين ناظرين حقيقة لكن لم ينتفعوا بذلك فكانوا كأنهم صم بكم عمي فذو الآلة إذا لم ينتفع بها فهو وعادم الآلة سواء، والعالم الذي لا يعمل بعلمه فهو والجاهل سواء والغني الذي لا ينتفع بماله فهو والفقير سواء فإثبات العلم للكفار إلزام الحجة وذكر الجهل إثبات المنقصة بخلاف المؤمنين فإن إثبات العلم لهم إثبات الكرامة وذكر الجهل تلقين عذر المعصية كذا في «التيسير» .
فعلى المؤمن أن يتحلى بالعلم والعمل، ويجتنب عن الخطأ والزلل ويطيع ربه خالصاً لوجهه الكريم ويعبده بقلب سليم وفي الحديث «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله قال: «الرياء يقول الله تعالى يوم يجازي العباد
بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون لهم في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم خيراً»
وإنما يقال لهم ذلك لأن عملهم في الدنيا كان على وجه الخداع فيعاملون في الآخرة على وجه الخداع كذا في «تنبيه الغافلين» .