فإن قلت: لا شك أنهما كانا مخلصين ومستسلمين في زمان صدور هذا الدعاء منهما؟
قلت: المراد طلب الزيادة في الإخلاص والإذعان أو الثبات عليه فهذا تعليم منهما الناس الدعاء للتثبيت على الإيمان فإنهما لما سألا ذلك مع أمنهما من زواله عنهما فكيف غيرهما مع خوفه، وسألا أيضاً الثبات على الانقياد فأجيبا إلى ذلك حتى أسلم إبراهيم للإلقاء في النار وإسماعيل للأمر بالذبح.
{وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} أي: واجعل بعض ذريتنا جماعة مخلصة لك بالعبادة والطاعة.
وإنما خص الذرية بالدعاء مع أن الأنسب بحال أصحاب الهمم لا سيما الأنبياء أن لا يخصوا ذريتهم بالدعاء لكنهما خصاهم لوجهين:
الأول كونهما أحق بالشفقة كما في قوله تعالى: {قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} (التحريم: 6) فدعوا لأولادهما ليكثر ثوابهما بهم.
والثاني: أنه وإن كان تخصيصاً صورة إلا أنه تعميم معنى لأن صلاح أولاد الأنبياء سبب وطريق لصلاح العامة فكأنهما قالا وأصلح عامة عبادك بإصلاح بعض ذريتنا وخصا البعض من ذريتهما لما علما أن من ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين وطريق علمها بذلك أمر أن تنصيص الله تعالى بذلك بقوله: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} (البقرة: 124)
والاستدلال بأن حكمة الله تعالى تقتضي أن لا يخلو العالم عن أفاضل وأوساط وأرذال فالأفاضل هم أهل الله الذين هم أخلصوا أنفسهمبالإقبال الكلي عليه والأوساط هم أهل الآخرة الذين يجتنبون المنكرات ويواظبون على الطاعات رغبة في نيل المثوبات والأرذال هم أهل الدنيا الذين يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون جلّ همتهم عمارة الدنيا وتهيئة أسبابها.
وقد قيل عمارة الدنيا بثلاثة أشياء:
أحدها الزراعة والغرس.
والثاني: الحماية والحرب.
والثالث: جلب الأشياء من مصر إلى مصر، ومن أكب على هذه الأشياء ونسي الموت والبعث والحساب وسعى لعمارة الدنيا سعياً بليغاً ودقق في أعمال فكره تدقيقاً عجيباً فهو متوغل في الجهل والحماقة ولهذا قيل لولا الحمقى لخربت الدنيا.