العمي مستعمل ههنا في عدم البصر والبصيرة جمعياً وهذه صفاتهم في الدنيا ولذلك عوقبوا في الآخرة بجنسها.
قال تعالى: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً} (الإسراء: 97) فلا يسمعون سلام الله ولا يخاطبون الله ولا يرونه والمسلمون كانوا سامعين للحق قائلين بالحق ناظرين إلى الحق فيكرمون يوم القيامة بخطابه ولقائه وسلامه.
{فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} أي: هم بسبب اتصافهم بالصفات المذكورة لا يعودون عن الضلالة إلى الهدى الذي تركوه والآية فذلكة التمثيل ونتيجته وأفادت أنهم كانوا يستطيعون الرجوع باستطاعة سلامة الآلات حيث استحقوا الذم بتركه وأن قوله تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} ليس بنفي الآلات بل هو نفي تركهم استعمالها.
ثم إن الله تعالى ندب الخلق إلى الرجوع بالائتمار بأمره والانتهاء بنهيه بقوله تعالى: {وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (الأعراف: 174) فمن لم يرجع إليه اختياراً رجعوا إليه بالموت والبعث كما قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (العنكبوت: 57) ومن رجع إليه في الدنيا بفعله وحقق ذلك بقوله: {إِنَّا للَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ} (البقرة: 156) كان رجوعه إليه بالكرامة ويخاطب بقوله: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً} (الفجر: 27 - 28) .
قال بعض العارفين:
والعجب كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له عنه وهو مولاه الذي منّ عليه بكل خير وأولاه ويطلب ما لا بقاء له معه وهو ما يوافق النفس من شهوته وهواه وآخرته ودنياه فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
وأسباب عمي البصيرة ثلاثة:
إرساله الجوارح في معاصي الله، والتصنع بطاعة الله، والطمع في خلق الله، فعند عماها يتوجه العبد للخلق ويعرض عن الحق.