قال بعض الكبار: الترقي والتدلي إنما يجري في هذا العالم.
وأما في الآخرة فلا ترقي فيها.
فإن قلت فقد ترقى العاصي إلى مرتبة الجنة بعد الخروج من النار؟
قلت: ذلك الترقي كان في الدنيا بسبب الإيمان غير أن ظهوره كان في الآخرة فعذب أوّلاً ثم دخل الجنة. إن ربك فعال لما يريد من تخليد البعض كالكفار وإخراج البعض كالفساق من غير اعتراض عليه.
وإنما قيل فعال لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة.
وقال المولى أبو السعود: {إلا ما شاء ربك} استثناء من الخلود على طريقة قوله تعالى: {لا يذقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} (الدخان: 56) وقوله: {مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} (النساء: 22) وقوله: {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} (الأعراف: 40) غير أن استحالة الأمور المذكورة معلومة بحكم العقل، واستحالة تعلق المشيئة بعدم الخلود معلومة بحكم النقل، يعني أنهم مستقرون في النار في جميع الأزمنة إلا في زمان مشيئة الله تعالى لعدم قرارهم فيها وإذ لا إمكان لتلك المشيئة ولا لزمانها بحكم النصوص القاطعة الموجبة للخلود، فلا إمكان لانتهاء مدة قرارهم فيها ولدفع ما عسى يتوهم من كون استحالة تعلق المشيئة بطريق الوجوب على الله تعالى قال: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} يعني أنه في تخليد الأشقياء في النار بحيث يستحيل وقوع خلافه، فعال بموجب إرادته قاض بمقتضى مشيئته الجارية على سنن حكمته الداعية إلى ترتب الأجزئة على أفعال العباد، ولك أن تقول: إنهم ليسوا بمخلدين في العذاب الجسماني بل لهم من العقوبات والآلام الروحانية ما لا يعلمه إلا الله تعالى وهذه العقوبات، وإن كانت تعتريهم وهم في النار لكنهم ينسون بها عذاب النار ولا يحسون بها ألا ترى أن من دهمه الغم المفرط وأدهشه خطب جليل، فإنه لا يحس بقرص النملة والبرغوث ونحوهما وقس عليه الحال في جانب السرور كما سيأتي.