فإن قيل: إن هارون كان شريك موسى في النبوة قال تعالى خبراً عن موسى {وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} فكيف استخلفه؟
قلنا المأموران بشيء لا ينفرد أحدهما بفعله إلا بأمر صاحبه، فلذلك قال: {اخلفني} ولأن موسى كان أصلاً فيها وهارون مُعِينًا له قال موسى: {فَأَرْسِلْهِ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي} (القصص: 34)
ولهذا كان هو المناجي على الخصوص والمعطَى للألواح.
ولما أمر بالذهاب إلى فرعون سأل الله أن يشرك معه هارون، ولما ذهب إلى الطور للمناجاة خلفه في قومه واستخلفه وهو موضع الاعتراض في الظاهر، ولكن لا اعتراض على الأكابر لأن حركاتهم الظاهرة إنما تنبعث من دواعي قلوبهم وتلك الدواعي إلهامات واردة من الله تعالى لا صنع لهم فيها، فمن عرف دورانهم بأمر إلهي هان عليه التطبيق والتوفيق وسقط عنه الاعتراض على أصحاب التحقيق مع أن درجات الأنبياء متفاضلة، كما قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} (البقرة: 253)
فمن منع الرؤية عن موسى منع المناجاة عن هارون، وكون هارون شريكه في الأمر الظاهر لا يقتضي أن يكون رديفه في الأمر الباطن فإن لكل مقام رجالاً.
انظر إن موسى عليه السلام استخلف هارون واعتمد عليه في حفظ قومه فعبدوا العجل في العشر الذي زيد على الثلاثين، ورسولنا صلى الله عليه وسلّم قال الله خليفتي على أمتي فثبتهم الله على الحق.
واعلم: أن ذا القعدة وذا الحجة من الأشهر الحرم ويكفي شرفاً لهما أن الله تعالى أمر موسى بصومهما وجعلهما محل قبول الحاجات وميقات المناجاة.
فعلى السالك أن يتهيأ فيه لمناجاة ربه بالصوم الظاهري، والإمساك الباطني فإن موسى روحه متشوف لنوال الوصال ومتطلب لرؤية الجمال.