فهرس الكتاب
{وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ} التي هي محل الحياة الأخرى {خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} الكفر والمعاصي لأن منافعها خالصة عن المضار ولذاتها غير منغصة بالآلام مستمرة على الدوام.
{أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} الفاء للعطف على مقدر، أي: أتغفلون فلا تعقلون، أي الأمرين خير، وسميت الدنيا بالدنيا لدنوها قبل الآخرة أو لدناءتها، وسميت الآخرة بالآخرة لتأخرها عن خلقها.
وإنما جعل الله الآخرة غائبة عن الأبصار لأنها لو كانت حاضرة لما جحدوها ولارتفعت التكاليف والمحن فجعل ما على الأرض زينة للابتلاء وحقيقة الدنيا ما يشغلك عن ربك.
قلت: السكر إذا نثر على رأس الختن لا يلتقطه لعلو همته، ولو التقطه لكان عيباً
والضيف إذا كان حكيماً لا يشبع من الطعام رجاء الحلواء.
قيل: مثل الدنيا والآخرة مثل رجل له امرأتان إن أرضى إحداهما أسخط الأخرى.
واحتضر عابد فقال: ما تأسفي على دار الآخرة والغموم والخطايا والذنوب،
وإنما تأسفي على ليلة نمتها ويوم أفطرته وساعة غفلت فيها عن ذكر الله تعالى.
فالدنيا لا تبقى والآخرة خير وأبقى.
[لطيفة]
-يحكى - أن جعفر بن سليمان رحمه الله قال: مررت أنا ومالك بن دينار رضي الله عنه بالبصرة فبينما ندور فيها مررنا بقصر يعمر وإذا بشاب حسن يأمر ببناء القصر، ويقول افعلوا واصنعوا، فدخلنا عليه وسلمنا فرد السلام، قال مالك: كم نويت أن تنفق على هذا القصر؟ قال: مائة ألف درهم، قال: ألا تعطيني هذا المال فأضعه في حقه وأضمن لك على الله تعالى قصراً خيراً من هذا القصر بولدانه وخدمه وقبابه وخيمه من ياقوتة حمراء مرصع بالجوهر ترابه الزعفران بلاطه المسك لم تمسه يدان ولم يبنه بانٍ، قال له الجليل سبحانه كن فكان، فأثر في الشاب كلامه فأحضر البدر ودعا بدواة وقرطاس ثم كتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما ضمن مالك بن دينار لفلان بن فلان أني ضمنت لك على الله قصراً بدل قصرك صفته كما وصفت والزيادة على الله، واشتريت لك بهذا المال قصراً في الجنة أفسح من قصرك في ظل ظليل بقرب العزيز الجليل، ثم طوى الكتاب ودفعه إلى الشاب وأنفق ما أخذه من المال على الفقراء، وما أتى على الشاب أربعون ليلة حتى مات ووصى أن يجعل الكتاب بين كفنه وبدنه، ووجد مالك ليلة وفاته كتاباً موضوعاً في المحراب فأخذه ونشره فإذا هو مكتوب بلا مداد هذه براءة من الله العزيز الحكيم مالك بن دينار، وفَّينا الشاب القصر الذي ضمنته له وزيادة سبعين ضعفاً.