أي: علامة تدل أي: تحقق المسؤول أو وقوع الحبل، وإنما سألها لأن العلوق أمر خفي لا يوقف عليه فأراد أن يطلعه الله عليه ليتلقى تلك النعمة الجليلة منه حين حصولها بالشكر ولا يؤخره إلى أن يظهره ظهوراً معتاداً.
{قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ}
أي: متوالية مع لياليها فإن ذكر الليالي أو الأيام يقتضي دخول الأخرى فيها لغة وعرفا
وإنما جعلت آيته ذلك لتخليص المدة لذكر الله وشكره قضاء لحق النعمة.
{إِلَّا رَمْزاً} أي: إشارة بيد أو رأس أو نحوهما وسمي الرمز كلاماً لأنه يؤدي ما يؤدي الكلام ويفهم منه ما يفهم من الكلام فلهذا جاز الاستثناء المتصل منه ثم أمره تعالى بذكره لعدم منعه عن ذكر الله فقال: {وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً} أي: في أيام الحبسة شكراً لحصول التفضل والإنعام.
قال الإمام في قوله تعالى: {وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً} فيه قولان: أحدهما أنه تعالى أمر بحبس لسانه عن أمور الدنيا إلا رمزاً فأما في الذكر والتسبيح فقد كان لسانه جيداً وكان ذلك من المعجزات الباهرة.
والقول الثاني أن المراد منه الذكر بالقلب وذلك لأن المستغرقين في بحار معرفة الله تعالى عادتهم في أول الأمر أن يواظبوا على الذكر اللساني مدة، فإذا امتلأ القلب من نور ذكر الله سكتوا باللسان وبقي الذكر بالقلب، ولذلك قالوا: من عرف الله كَلَّ لسانه فكان زكريا عليه السلام أمر بالسكوت باللسان والاستحضار معاً في الذكر والمعرفة
واستدامتهما انتهى.
واعلم أن الذكر على مراتب والذكر اللساني بالنسبة إلى الذكر القلبي تنزل.
-روي - أن عيسى عليه السلام حين ترقى إلى أعلى مراتب الذكر جاءه إبليس فقال: يا عيسى اذكر الله فتعجب عيسى من أمره بالذكر مع أن جبلته على المنع منه ثم ظهر أنه أراد أن يغويه وينزله من مرتبة الذكر القلبي إلى مرتبة الذكر اللساني وذلك كان تنزلاً بالنسبة إلى مقامه عليه السلام، فعلى العاقل أن يداوم على الأذكار آناء الليل وأطراف النهار فإن الذكر يدفع هوى النفس فإذا طرد ذلك من الباطن فلا سبيل للشيطان أيضاً في الظاهر فتعلق أبواب المنهيات بالكليات ويتصفى القلب ويتكدر.