فهرس الكتاب

الصفحة 1859 من 3176

{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ(172)}

وقال الحدادي:

قيل: لما أرسل الله الرسل فأخبروهم بذلك الميثاق صار قول الرسل حجة عليهم وإن لم يذكروا، ألا ترى أن من ترك من صلاته ركعة ونسي ذلك فذكرت له ذلك الثقات كان قولهم حجة عليه.

وقال في «التأويلات النجمية» :

في الآية إشارة إلى أن أخذ المخلوقين يكون أخذ الشيء الموجود من الشيء الموجود وأن أخذ الخالق تارة هو أخذ الشيء المعدوم من العدم كقوله: {خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} (مريم: 9) وتارة هو أخذ الشيء المعدوم من الشيء المعدوم كقوله: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} (الأعراف: 172) فكان بنو آدم معدومين وظهورهم معدومين وذرياتهم معدومين فأخذ بكمال قدرته ذرياتهم المعدومة إلى يوم القيامة من ظهورهم المعدومة من بني آدم المعدومين، فأوجدهم الله في تلك الحالة وأعطاهم وجوداً مناسباً لتلك الحالة، فلما استخرج الله من ظهر آدم ذرات بنيه، واستخرج من ظهورهم ذرات ذرياتهم المودعة فيها إلى يوم القيامة، والأرواح في تلك الحالة جنود مجندة في ثلاثة صفوف: الصف الأول: أرواح السابقين، والصف الثاني: أرواح أصحاب الميمنة، والصف الثالث: أرواح أصحاب المشأمة تنورت الذرات بأنوار أرواحها، ولبست تلك الذرات الموجودة بالوجود الرباني لباس الوجود الروحاني، ولبست الأسماع والأبصار والأفئدة لباساً روحانياً، ثم خاطبهم الحق بخطاب {ألست بربكم} فسمع السابقون بسمع نوراني روحاني خطابه، وشاهدوا بأبصار نورانية جماله، وأحبوه بأفئدة روحانية ربانية نورانية بنور المحبة للقائه، فأجابوه على المحبة فقالوا: بلى أنت ربنا المحبوب والمعبود شهدنا، أي: شاهدنا محبوبيتك وربوبيتك فأخذ مواثيقهم أن لا يحبوا ولا يعبدوا إلا إياه، وسمع أصحاب الميمنة بسمع روحاني خطابه وطالعوا بأبصار روحانية جلاله وآمنوا بأفئدة ربانية إلهية، فأجابوه على العبودية وقالوا: بلى أنت ربنا المعبود سمعنا وأطعنا فأخذ مواثيقهم أن لا يعبدوا إلا إياه، وسمع أصحاب المشأمة خطابه بسمع روحاني من وراء حجاب العزة، وفي آذانهم وقر الغرة، وعلى أبصارهم غشاوة الشقاوة، وعلى أفئتدهم ختم المحنة، فأجابوه على الكلفة، وقالوا: بلى أنت ربنا سمعنا كرهاً فأخذ مواثيقهم على العبودية، فالآن يرجع التفاوت بين الخليقة في الكفر والإيمان إلى تفاوت الاستعدادات الروحانية والربانية فافهم جداً.

ثم اعلم: أنا لا نجد أن الله تعالى ذكر أنه كلم أحداً وهو بعد في العدم إلا بني آدم فإنه كلمهم وهم غير موجودين وأجابوه وهم معدومون فجرى بالجود ما جرى لا بالوجود فهذا بدايتهم، وإلى هذا تنتهي نهايتهم بأن يكون الله تعالى هو سمعهم وأبصارهم وألسنتهم كما قال: «كنت له سمعاً وبصراً ولساناً فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق» وإلى هذا أشار الجنيد حين سئل ما النهاية؟ قال: الرجوع إلى البداية انتهى كلام «التأويلات النجمية» باختصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت