فهرس الكتاب

الصفحة 931 من 3176

{لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(188)}

[فصل]

اعلم أن الفرح بمتاع الدنيا وحب مدح الناس من صفات أرباب النفس الأمارة المغرورين بالحياة الدنيا وتمويهات الشيطان المحجوبين عن السعادات الأخروية والقربات المعنوية.

قال الإمام في تفسيره وأنت إذا أنصفت عرفت أن أحوال أكثر الخلق كذلك فإنهم يأتون بجميع وجوه الحيل في تحصيل الدنيا ويفرحون بوجدان مطلوبهم ثم يحبون أن يحمدوا بأنهم من أهل العفاف والصدق والدين.

فعلى العاقل أن لا يتعدى طوره ولا يفرح بما ليس فيه فإنه لا يغني عنه شيئاً.

قال بعض المشايخ: الناس يمدحونك لما يظنون فيك من الخير والصلاح اعتباراً بما يظهر من ستر الله عليك، فكن أنت ذامّاً لنفسك لما تعلمه منها من القبائح، والمؤمن إذا مدح استحيى من الله أن يثنى عليه بوصف لا يشهده من نفسه، وأجهل الناس من يترك يقين ما عنده من صفات نفسه التي لا شك فيها لظن ما عند الناس من صلاحية حاله.

قال الحارث المحاسبي رحمه الله:

الراضي بالمدح بالباطل كمن يهزأ به.

ويقال إن العذرة التي تخرج من جوفك لها رائحة كرائحة المسك ويفرح بذلك ويرضى بالسخرية به.

لا تغتر بالمدح حتى لا تقع في بئر الهلاك، وكن كالشيخ حاتم الأصم صورة فإن الخلق إذا ظنوك يتكلمون في حقك ما لا ترضى به من القول لو سمعت فإذن تسمع عيوبك منهم، وفي ذلك فائدة عظيمة لك لأن المرء إذا عرف عيبه يجتهد في قمعه والتحلي بالأوصاف الجميلة، والعارف هو الذي يستوي قلبه في المدح والذم، لا ينقبض من الذم ولا ينبسط من المدح، وكيف ينبسط بما يتحقق به مما يقوله الخلق من هو أعرف بحال نفسه، وإن انبسط فهو المغرور، والمدعي هو الذي يرى نفسه صادقاً في الأحوال والمعاملات وكل الحالات كأنه لا يتعرض لشيء من الدنيا أصلاً، وحاله شاهدة عليه في هذا الباب، فإن المرء له محك في أقواله وأفعاله وأحواله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت