قلت: تعظيم النعم على العباد واجب فلو لم يخلقوا في الدنيا ابتداء ما عرفوا قدر الجنة.
وقيل: ليكونوا في الجنة على الجزاء لا على الابتداء وليأمنوا الزوال.
وقيل: خلقنا في الدنيا ليميز الله الخبيث من الطيب والمطيع من المخالف لاقتضاء الصفات الجلالية لأن الجنان ليست من مظاهر الجلال، ولو خلقنا وبقينا في الجنة لما ظهر فينا صفات الجلال كما لم تظهر في الملَك، فالحكمة الإلهية اقتضت خلق الإنسان في الدنيا وظهور المخالفة منه ليظهر فيه الرحمة والغفران، فلو بقي آدم في الجنة لفاته نصف الكمال الذي هو التجليات القهرية، فخرج ليتحقق بمظاهر أسماء الجمال والجلال ثم يرد إلى عالم الجنان كاملاً مكملاً بأنواع الفضائل والكمالات.
قال الشيخ الكامل المكمل علي رده في هامش «كشف الكنوز وحل الرموز» وهو كتاب فريد في فنه وجدت تذكرة السؤال من بعض الملاحدة على كرسي سيدي ابن نور الدين في مجلس وعظ بجامع أيا صوفية من كلام خواجه حافظ شيرازي:
من ملك بودم وفردوس برين جايم بود
آدم آورد درين دير خراب آبادم
فأجاب الشيخ بديهة وفهم مراد الملحد عن السؤال فقال: أنت أخرجت آدم من الجنة حيث هجت في صلبه باستعداد الفساد والإلحاد ولو لم يخرج أبونا آدم لبقيت الملاحدة والفجرة في الجنة فاقتضت غيرة الحق خروجه. وسئل أبو مدين قدس سره عن خروج آدم من الجنة على وجه الأرض ولم تعدى في أكل الشجرة بعد النهي فقال: لو كان أبونا يعلم أنه يخرج من صلبه مثل محمد صلى الله تعالى عليه وسلم لصار يأكل عرق الشجرة فكيف ثمرها ليسارع في الخروج على وجه الأرض ليظهر الكمال المحمدي والجمال الأحمدي.
وسأل خليل الرحمن صلوات الله على نبينا وعليه فقال: يا رب لِمَ أخرجت آدم؟ فقال: أما علمت أن جفاء الحبيب شديد.