قال القشيري قدس سره: التائبون أصناف فمن راجع يرجع عن زلته إلى طاعته، ومن راجع يرجع عن شهود نفسه إلى شهود لطفه، ومن راجع يرجع عن الإحسان بنفسه وأبناء جنسه إلى الاستغراق بحقائق ربه.
{الْعَابِدُونَ} الذين عبدوا الله تعالى مخلصين له.
وقال القشيري قدس سره {الْعَابِدُونَ} الخاضعون لله بكل وجه الذين لا يسترقهم كرائم الدنيا ولا يستعبدهم عظائم العقبى فلا يكون العبد عبد الله على الحقيقة إلا بعد تجرده عن كل حادث
{الْحَامِدُونَ} أي المثنون عليه بآلائه الشاكرون له على نعمائه المادحون له بصفاته وأسمائه وعمم بعضهم الحمد فأوجبه على النعم الدينية والدنيوية وكذا على الشدائد والمصائب في الدنيا في أهل أو نفس أو مال لأنها نعم بالحقيقة بدليل أنها تعرض العبد لمثوبات جزيلة حتى ما يقاسيه الأطفال عند الموت من الكرب الشديد ترجع فائدته إلى الولي الصابر.
وقال القشيري {الْحَامِدُونَ} هم الذين لا اعتراض لهم على ما يحصل بقدرته ولا انقباض لهم عما يجب من طاعته.
{الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ} في الصلاة وإنما كنى بالركوع والسجود عن الصلاة لكون جهة العبادة أظهر فيهما بالنسبة إلى باقي أركان الصلاة فإن هيئتي القيام والقعود قد يؤتى بهما على وفق العادة بخلاف الركوع والسجود فإنهما ليسا من الهيئات الطبيعية الموافقة للعادة فلا يؤتى بهما إلا على سبيل العبادة فكان لهما مزيد اختصاص بالصلاة.
{وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ}
قال الحدادي: وهذه الصفة من أتم ما يكون من المبالغة في وصف العباد بطاعة الله والقيام بأوامره والانتهاء عن زواجره لأن الله تعالى بين حدوده في الأمر والنهي وفيما ندب إليه فرغب إليه أو خير فيه وبين ما هو الأولى في مجرى موافقة الله تعالى فإذا قام العبد بفرائض الله تعالى وانتهى إلى ما أراد الله منه كان من الحافظين لحدود الله كما روي عن خلف بن أيوب أنه أمر امرأته أن تمسك عن إرضاع ولده في بعض الليل وقال قد تمت له السنتان فقيل له لو تركتها حتى ترضعه هذه الليلة قال فأين قوله تعالى: {وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ} .
{وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} يعني: هؤلاء الموصوفين بتلك الفضائل. ووضع المؤمنين موضع ضميرهم للتنبيه على أن إيمانهم دعاهم إلى ذلك، وأن المؤمن الكامل كان كذلك، وحذف المبشر به للتعظيم كأنه قيل وبشرهم بما يجل عن إحاطة الإفهام وتعبير الكلام، وأعلى ذلك رؤية الله تعالى في دار السلام.
واعلم أن كل عمل له جزاء مخصوص يناسبه كالصوم مثلاً جزاؤه الأكل والشرب كما قال تعالى: {كُلُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} (الحاقة: 24) وقس على هذا باقي الأعمال واجتهد في تحصيل حسن الحال وفقنا الله وإياكم إلى أسباب مرضاته.