قيل: لما نزلت هذه الآية قال جبرائيل عليه السلام للرسول صلى الله عليه وسلّم إن الله قد أثنى عليك وعلى أمتك فسل تعط فقال الرسول عليه السلام: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} أي: اغفر لنا غفرانك كما قال {فَضَرْبَ الرِّقَابِ} (محمد: 4) أي: فاضربوا أو نسألك غفرانك ذنوبنا المتقدمة أو ما لا يخلو عنه البشر من التقصير في مراعاة حقوقك وهذا الوجه أولى لئلا يتكرر الدعاء بقوله في آخر السورة {واغفر لنا}
وتقديم ذكر السمع والطاعة على طلب الغفران لما أن تقديم الوسيلة على المسؤول أدعى إلى الإجابة والقبول
{وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} أي: الرجوع بالموت والبعث لا إلى غيرك.
قال في «تفسير الحنفي» مثاله: إن السلطان إذا وهب لأحد من مماليكه إمارة وأعطاه رياسة أو نيابة وكتب له توقيعاً أن يطيعه أهل البلد كلها فإذا جاء إلى البلد وقعد على المملكة وأطاعه الخلق ثم إن السلطان كتب له كتاباً وأمر له فيه أن يبني له قصراً أو داراً واسعة حتى لو حضر السلطان وجاء إلى تلك المدينة ينزل في تلك الدار أو القصر فوصل الكتاب إليه وهو لا يبني ما أمر به في الكتاب لكنه يقرأه كل يوم فلو حضر السلطان ولم يجد ما أمره به حاضراً هل يستحق ذلك الأمير خلعة من السلطان أو ثناء أو لا بل ظاهره أنه يستحق الضرب والشتم والحبس، وكذلك القرآن إنما هو مثل هو ذلك المنشور قد أمر الله فيه لعبيده أن يعمروا أركان الدين كما قال لداود عليه السلام: (فرغ إلي بيتاً أسكنه) وبين لهم بما يكون عمارة الدين فقال الله تعالى: {وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ} (النور: 56) {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} (البقرة: 183) {وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} (آل عمران: 97) فصارت قراءة القرآن كقراءة منشور السلطان ولا تحصل الجنة بمجرد القرآن لأنه قال: {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (الواقعة: 24) .