{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ} رزقكم {مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} أي: من حلالاته لأن ما رزقناكم أعم من الحلال والحرام عند أهل السنة أو من لذيذاته لأنه أعم أيضاً من المستلذ والمستكره.
قال ابن الشيخ وهذا المعنى هو المناسب لهذا المقام وأولى من حمله على الحلال الطاهر من الشبهة لأن المقام مقام الامتنان بما رزقه من لذائذ الإحسان وطلب شكر المنعم المنان.
والطيب له ثلاثة معان:
المستلذ طبعاً والمباح شرعاً والطاهر وضعاً، وفي الآية إشارة إلى أنه لا بأس بالتفكه بأنواع الفواكه لأنها من الطيبات وتركه أفضل لئلا ينقص من درجته ويدخل تحت قوله تعالى {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} (الأحقاف: 20)
والأمر بأكل الطيبات لفائدتين:
إحداهما أن يكون أكلهم بالأمر لا بالطبع فيمتازون عن الحيوانات ويخرجون من حجاب الظلمة الطبع بنور الشرع، والثاني ليثيبهم بائتمار أمر الأكل.
{وَاشْكُرُواْ} الذي رزقكموها وأحلها لكم والشكر صرف العبد جميع أعضائه الظاهرة والباطنة إلى ما خلقت لأجله، وهذا الأمر ليس أمر إباحة بل هو للإيجاب إذ لا شك في أنه يجب على العاقل أن يعتقد بقلبه أن من أوجده وأنعم عليه بما لا يحصى من النعم الجليلة مستحق لغاية التعظيم وأن يظهر ذلك بلسانه وبسائر جوارحه {إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} أي: إن كنتم مؤمنين بالله ومخصصين الله بالعبادة فاشكروا له فإن الإيمان يوجب ذلك وهو من شرائطه وهو مشهور في كلامهم يقول الرجل لصاحبه الذي عرف أنه يحبه إن كنت لي محباً فافعل كذا فيدخل حرف الشرط في كلامه تحريكاً له على ما يؤمر به وإعلاماً أنه من شرائط المحبة، وليس المراد أن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط فإن من لا يفعل هذه العبادة يجب الشكر عليه أيضاً
وعن النبي صلى الله عليه وسلّم «يقول الله تعالى إني والإنس والجن لفي نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري» .