{فَقُلْ تَعَالَوْاْ} التعالي في الأصل: التصاعد كأن الداعي في علو والمدعو في سفل فأمره أن يتعالى إليه ثم صار ذلك لكل مدعو أين كان أي هلموا بالرأي والعزيمة لا بالأبدان لأنهم مقبلون وحاضرون عنده بأجسادهم
{نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ} اكتفى بهم عن ذكر البنات لظهور كونهم أعز منهن.
وأما النساء فتعلقهن من جهة أخرى {وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ} أي: ليدع كل منا ومنكم نفسه وأعزة أهله وألصقهم بقلبه إلى المباهلة ويحملهم عليها.
-روي - أنهم لما دعوا إلى المباهلة قالوا حتى نرجع وننظر فلما خلا بعضهم ببعض قالوا لعبد المسيح ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمداً نبي مرسل ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم والله ما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لتهلكن فإن أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقد خرج محتضناً الحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلى خلفها رضي الله عنه وهو يقول: «إذا أنا دعوت فأمنوا» فقال: أسقف نجران
أي: أعلمهم بأمور دينهم وهو أبو حارثة يا معشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو شاء الله تعالى أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة، فقالوا: يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك وأن تترك على دينك ونثبت على ديننا
قال صلى الله عليه وسلّم «فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين»
فأبوا فقال: «فإني أحاربكم» فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة ألف في صفر وألف في رجب وثلاثين درعاً عادية من حديد فصالحهم على ذلك وكتب لهم كتاباً بذلك وقال:
«والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا» .