فهرس الكتاب
{إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110) }
{اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ} وليس المراد بأمره عليه السلام يومئذٍ بذكر النعم تكليف الشكر إذ قد مضى وقته في الدنيا، بل ليكون حجة على من كفر حيث أظهر الله على يده معجزات كثيرة فكذبته طائفة وسموه ساحراً، وغلاً آخرون فاتخذوه إلهاً، فيكون ذلك حسرة وندامة وعليهم يوم القيامة.
والفائدة في ذكر أمه أن الناس تكلموا فيها ما تكلموا ثم عد الله تعالى عليه نعمة نعمة فقال: {إِذْ أَيَّدتُّكَ} .
{تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً} استئناف مبين لتأييده عليه السلام والمعنى تكلمهم في الطفولة والكهولة على سواء أي: من غير أن يوجد تفاوت بين كلامه طفلاً وبين كلامه كهلاً في كونه صادراً عن كمال العقل وموافقاً لكمال الأنبياء والحكماء، فإنه تكلم حال كونه في المهد أي: في حجر الأم والذي يربى فيه الطفل بقوله: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً} (مريم: 31) وتكلم كهلاً بالوحي والنبوة فتكلمه في تينك الحالتين على حد واحد وصفة واحدة من غير تفاوت معجزة عظيمة حصلت له وما حصلت لأحد من الأنبياء قبله ولا بعده، وكل معجزة ظهرت منه كما أنها نعمة في حقه فكذلك هي نعمة في حق أمه لأنها تدل على براءة ساحتها مما نسبوها إليه واتهموها به، وحمل مريم ما كان من الرجال كسائر النساء وإنما كان بروح منه كما قال تعالى: {وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا} (التحريم: 12) فهذه نعمة خاصة بمريم وكذلك ولادة عيسى وخلفته ما كان من نطف الرجال
وإنما كانت كلمته {ألقاها إلى مريم وروح منه} فهذه نعمة خاصة بعيسى.
قيل المراد بتكلمه كهلاً أن يكلم الناس بعد أن ينزل من السماء في آخر الزمان بناء على أنه رفع قبل أن أكهل فيكون قوله تعالى: {وَكَهْلاً} دليلاً على نزوله.