{هُدَى} أي هو رشد وبيان {لِّلْمُتَّقِينَ} أي للضالين المشارفين التقوى الصائرين إليها ومثله حديث «من قتل قتيلاً فله سلبه» ، وفي تفسير «الإرشاد» أي: المتصفين بالتقوى حالاً أو مآلاً وتخصيص الهدى بهم لما أنهم المقتبسون من أنواره المنتفعون بآثاره وإن كان ذلك شاملاً لكل ناظر من مؤمن وكافر وبذلك الاعتبار قال تعالى: {هُدًى لِّلنَّاسِ} أي: كلهم بياناً وهدى للمتقين على الخصوص إرشاداً.
قال في «التيسير» وكذلك يقال في كل من انتفع بشيء دون غيره أنه لك على الخصوص أي: أنت المنتفع به وحدك، وليس في كون بعض الناس لم يهتدوا ما يخرجه من أن يكون هدى فالشمس شمس وإن لم يرها الضرير والعسل عسل وإن لم يجد طعمه الممرور والمسك مسك وإن لم يدرك طيبه المأنوف فالخيبة كل الخيبة لمن عطش والبحر زاخر وبقي في الظلمة والبدر زاهر وخبث والطيب حاضر وذوي والروض ناظر والحسرة كل الحسرة لمن عصى وفسق والقرآن ناه آمر وفارق الرغبة والرهبة والوعد متواتر والوعيد متظاهر ولذلك قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ} (الحاقة: 50) .
والمتقي اسم فاعل من باب الافتعال من الوقاية وهي فرط الصيانة.
وله ثلاث مراتب:
الأولى: التوقي عن العذاب المخلد بالتبري من الكفر وعليه قوله تعالى: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} (الفتح: 26) .
والثانية: التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر عند قوم وهو المتعارف بالتقوى في الشرع وهو المعنى بقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ} (الأعراف: 96) .
والثالثة: أن يتنزه عما يشغل سره عن الحق عز وجل ويتبتل إليه بكليته وهو التقوى الحقيقية المأمور بها في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} (آل عمران: 102) .