{أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110) }
قال الحدادي: كما أن من بنى على جانب نهر صفته ما ذكرنا انهار بناؤه في الماء، فكذلك بناء أهل النفاق مسجد الشقاق كبناء على جرف جهنم يهور بأهله فيها.
{إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} قطعاً وتتفرق أجزاء بحيث لا يبقى لها قابلية إدراك وإضمار قطعاً، وهو استثناء من أعم الأوقات أو أعم الأحوال، أي: لا يزال بنيانهم ريبة في كل وقت من الأوقات أو كل حال من الأحوال إلا وقت تقطع قلوبهم فحينئذٍ يسلون عنها.
وأما ما دامت سالمة فالريبة باقية فيها فهو تصوير لامتناع زوال الريبة عن قلوبهم إلى الموت، ويجوز أن يكون المراد حقيقة تقطعها عند قتلهم أو في القبور بالبلى أو في النار.
[فصل]
واعلم: أن في الآيتين المذكورتين إشارات:
منها أن صفاء الطوية وحسن الاعتقاد، كالأساس في باب الأعمال، فكما أن البناء لا يقوم على الماء بل يقوم على الأرض الصلبة كذلك الأعمال لا تقوم إلا على محكم الاعتقاد، وهو الباعث على الإخلاص العمل الذي هو إرادة التقرب إلى الله تعالى وتعظيم أمره وإجابة دعوته وضده النفاق وهو التقرب إلى الخلق من دون الله تعالى.
وأما إخلاص طلب الأجر فهو إرادة نفع الآخرة بعمل الخير وضده الرياء وهو إرادة نفع الدنيا بعمل الآخرة سواء أراده من الله أو من الناس لأن الاعتبار في الرياء بالمراد لا بالمراد منه.
فعلى العاقل أن يجعل أساس دينه على الاعتقاد الصحيح والإخلاص والتقوى حتى يكون كشجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء.
ومنها: أن المنافقين بنوا مسجداً للصلاة صورة فهم إنما بنوا متحدثاً لهم حقيقة ومحلاً لقاذورات أقوالهم وأفعالهم، ولذا كان حرياً بإلقاء الجيف فيه بعد الهدم فتمتعوا قليلاً ثم وقعوا في النار جميعاً، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ} (النساء: 140)
فكما أن من جالسهم في مجالسهم القذرة العذرة شقي شقاوة حقيقية كذلك من جالس الصديقين والعارفين في مجالسهم المطهرة وأنديتهم المقدسة سعد سعادة أبدية وتطهر طهارة أصلية، وقد قال عليه السلام: «إنهم القوم لا يشقى بهم جليسهم»
فالمراد السامع أو الجالس لأن المجالسة والسماع ينتجان عن المحبة قال عليه السلام: «المرء مع من أحب» وهنا سرّ صوفي يريد صلى الله عليه وسلّم في الدنيا والآخرة في الدنيا بالطاعة والأدب الشرعي وفي الآخرة بالمعاينة والقرب المشهدي.
ومنها: أنهم أرادوا ببنيانهم مكراً وخديعة وغفلوا عن مكر الله تعالى بهم ولذا افتضحوا.
ومنها: أن من كانت شقاوته أصلية أزلية فهو لا يزداد بما ابتلاه الله تعالى به إلا ضلالاً وغيظاً وإنكاراً والعاقل يختار فضوح الدنيا لأنه أهون من فضوح الآخرة.
ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم لم يزل يذب الناس عن النار وعن الوقوع فيها ولذا هدم مسجد الضرار إذ لو تركه على حاله لعاد الضرر على العامة بنزول البلية وهي نار معنى ولافتتن به بعض الناس والفتنة الدينية سبب للنار حقيقة فأهل الفساد والشر لا يقرون على ما هم عليه بل ينكر عليهم أشد الإنكار بهتك أعراضهم وإخراجهم من مساكنهم إن مست الحاجة إلى الإخراج وكذا هدم بيوتهم ومنازلهم.