[فصل]
اعلم: أن الهوى من أوصاف النفس فالآيات متعلقة بإصلاح النفس، ومن كان على بينة من ربه، وهي في الحقيقة النور الذي ينشرح به الصدر يكون على الهدى لا على الهوى وله علامات كما لا يخفى.
-حكي - أن بعض الصالحين كان يتكلم على الناس ويعظهم فمر عليه في بعض الأيام يهودي وهو يخوفهم ويقرأ قوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً} (مريم: 71) فقال اليهودي: إن كان هذا الكلام حقاً فنحن وأنتم سواء فقال له الشيخ لا ما نحن سواء بل نحن نرد ونصدر وأنتم تردون ولا تصدرون ننجو نحن منها بالتقوى وتبقون أنتم فيها جثياً بالظلم ثم قرأ الآية الثانية {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً} (مريم: 72) فقال اليهودي: نحن المتقون، فقال له الشيخ كلا بل نحن وتلا قوله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} (الأعراف: 156) إلى قوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ} (الأعراف: 157) فقال اليهودي: هات برهاناً على صدق هذا فقال له الشيخ البرهان حاضر يراه كل ناظر وهو أن تطرح ثيابي وثيابك في النار فمن سلمت ثيابه فهو الناجي منها، ومن أحرقت ثيابه فهو الباقي فيها فنزعا ثيابهما فأخذ الشيخ ثياب اليهودي ولفها ولف عليها ثيابه ورمى الجميع في النار ثم دخل النار فأخذ الثياب ثم خرج من الجانب الآخر ثم فتحت الثياب فإذا ثياب الشيخ المسلم سالمة بيضاء قد نظفتها النار وأزالت عنها الوسخ، وثياب اليهودي قد صارت حراقة مع أنها مستورة وثياب الشيخ المسلم ظاهرة للنار فلما رأى ذلك أسلم والحمد لله، فهذه الحكاية مناسبة لما ذكر من الآيات إذ كفار قريش كانوا من أهل الظلم والهوى فلم ينفعهم دعواهم فصاروا إلى العذاب والمؤمنون كانوا من أهل العدل والبينة والهدى فأنتج تقواهم ووصلوا إلى جنات مفتحة لهم الأبواب ومن سلم لباسه من النار سلم وجوده بالطريق الأولى بل الثوب في الحقيقة هو الوجود الظاهري الذي استتر به الروح الباطني فلا بد من تطهيره المؤدي إلى تطهير الباطن يسره الله.