قال في التأويلات النجمية خلقت النفس على جبلة الأمارية بالسوء، طبعاً حين خليت إلى طبعها لا يأتي منها إلا الشر ولا تأمر إلا بالسوء ولكن إذا رحمها ربها ونظر إليها بنظر العناية يقلبها من طبعها ويبدل صفاتها ويجعل أماريتها مبدلة بالمأمورية، وشريرتها بالخيرية، فإذا تنفس صبح الهداية في ليلة البشرية وأضاء أفق سماء القلب صارت النفس لوامة، تلوم نفسها على سوء فعلها وندمت على ما صدر عنها من الأمارية بالسوء فيتوب الله عليها، فإن الندم توبة، وإذا طلعت شمس العناية من أفق الهداية صارت النفس ملهمة؛ إذ هي تنورت بأنوار شمس العناية فألهمها نورها فجورها وتقواها، وإذا بلغت شمس العناية وسط سماء الهداية وأشرقت الأرض بنور ربها صارت النفس مطمئنة مستعدة لخطاب ربها بجذبة ارجعي إلى ربك راضية مرضية انتهى.
يقول الفقير: سلوك الأنبياء عليهم السلام وإن كان من النفس المطمئنة إلى الراضية والمرضية والصافية، إلا أن طبع النفوس مطلقاً أي سواء كانت نفوس الأنبياء أو غيرهم على الأمارية، وكون طبعها عليها لا يوجب ظهور آثار الأمارة بالنسبة إلى الأنبياء، ولذا لم يقل يوسف عليه السلام إن نفسي لأمارة بالسوء بعد ما قال: وما أبرئ نفسي، بل أطلق القول في الأمارية واستثنى النفوس المعصومة، فلولا العصمة لوقع من النفس ما وقع، ولذا قال عليه السلام: رب لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك، فالدليل على أمارية مطلق النفوس هذه الآية.
وقد قال ابن الشيخ في هذه السورة عند قوله تعالى: {ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً} يحتمل أن يكون المراد من الحكم صيرورة نفسه المطمئنة حاكمة على نفسه الأمارية بالسوء مستعلية عليها قاهرة لها انتهى.
فأثبت الأمارية لنفس يوسف.
وهكذا ينبغي أن يفهم هذا المقام فإنه من مزالق الأقدام، وقد رأيت من تحير فيه وزلق ووقع في هاوية الاضطراب والقلق، مع شهرته التامة والعامة في الأفواه القائلة بمكاشفاته ووصوله إلى الله، فليجتهد العبد مع النفس الأمارة حتى يصل إلى الاطمئنان فيتخلص من كيدها، والتوحيد أقوى الأمور في هذا الباب؛ لأنه أشد تأثيراً في تزكية النفس وطهارتها من الشرك الجلي والخفي.
قال في نفائس المجالس:
النفس منبع العناد والخيانة ومعدن الشر والجناية فهي منشأ الفتن في الأنفس والآفاق، وسبب ظهور الظلم على الإطلاق، فلو حصل بين سلطان الروح ووزير العقل ومفتي القلب اتفاق لارتفع من القوى النفسانية والطبيعة خلاف وشقاق.