فهرس الكتاب

الصفحة 1877 من 3176

{وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ(181)}

واعلم: أن أهل الحق إنما نالوا ما نالوا بهدايتهم للناس وعدلهم فيما بين الخلق بعد ما كانوا مهديين وعادلين في أنفسهم.

وروي عن عبد الله بن المبارك أنه كان يتجر ويقول: لولا خمسة ما اتجرت السفيانان، وفضيل، وابن السماك، وابن علية ليصلهم فقدم سنة فقيل له قد ولي ابن علية القضاء فلم يأته ولم يصله بشيء فأتاه ابن علية فلم يرفع رأسه إليه ثم كتب إليه ابن المبارك:

يا جاعل العلم له بازياً ... يصطاد أموال المساكين

احتلت للدنيا ولذاتها ... بحيلة تذهب بالدين

فصرت مجنوناً بها بعدما ... كنت دواء للمجانين

أين رواياتك في سردها ... لترك أبواب السلاطين

إن قلت أكرهت فذا باطل ... زلّ حمار العلم في الطين

فلما وقف إسماعيل بن علية على الأبيات ذهب إلى الرشيد ولم يزل به إلى أن استعفاه من القضاء فأعفاه، ونعم ما قيل:

اعدل تكن من صروف الدهر ممتنعاً ... فالصرف ممتنع للعدل في عمر

والعدل: من أسماء الله تعالى ومعناه العادل، وهو الذي يصدر منه فعل العدل المضاد للجور والظلم، ولن يعرف العادل من لم يعرف عدله، ولا يعرف عدله من لم يعرف فعله، وحظ العبد من العدل لا يخفى وأول ما عليه من العدل في صفات نفسه هو أن يجعل الشهوة والغضب أسيرين تحت إشارة العقل والدين، ومهما جعل العقل خادماً للشهوة والغضب فقد ظلم نفسه، هذا جملة عدله في نفسه، وتفصيله مراعاة حدود الشرع كله، وعدله في كل عضو أن يستعمله على الوجه الذي أذن الشرع فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت