فهرس الكتاب
وليس الفلاح إلا في العلم والعمل، وترك الدنيا والكسل والذلل.
-حكي - عن بعضهم أنه دخل عليه بعض الفقراء ولم يجد في بيته شيئاً من المتاع، فقال أما لكم شيء؟ قال: بلى لنا داران إحداهما دار أمن والأخرى دار خوف، فما يكون لنا من الأموال ندخره في دار الأمن يعني نقدمه للدار الآخرة، فقال له: إنه لا بد لهذا المنزل من متاع، فقال إن صاحب هذا المنزل لا يدعنا فيه وذلك أن الدنيا عارية، ولا بد للمعير أن يرجع في عاريته فعاقبة الدار إنما هي للأخيار الأبرار الذين عملوا لله في ليلهم ونهارهم، ولم ينقطعوا عن التوجه إليه حال سكونهم وقرارهم.
وكان شاب يجتهد في العبادة، فقيل له في ذلك، فقال: رأيت في منامي قصراً من قصور الجنة مبنياً بلبنة من ذهب ولبنة من فضة، وكذلك شراريفه وبين كل شرافتين حورية لم ير الراؤون مثلها لما بها من الحس والجمال، وقد أرخين ذوائب شعورهن فتبسمت إحداهن في وجهي فأنارت الجنة بنور ثناياها، ثم قالت: يا فتى جدّ لله تعالى في طلبي لأكون لك وتكون لي فاستيقظت.
فحقيق عليَّ أن أجدَّ فإذا كان هذا الاجتهاد في طلب حورية فكيف بمن يطلب ربَّ الحورية.
فظهر أن الاجتهاد في طريق الحق له عاقبة حميدة، فإنه موصل إلى الجنة والقربة والوصلة، فسيظهر أثره في الدار الآخرة.
وأما الظالمون الذين أفسدوا استعداداتهم بما عملوا من المعاصي، فإنهم لا يفلحون بمثل هذه السعادة، بل يرجعون إلى دار البوار وحالهم في الدنيا هي الخسارة لا غير فإن الباطل يفور، ثم يغور، والدولة في الدنيا والآخرة لأهل الإيمان والخلاص من التنزل لا يحصل إلا بالإيمان، فمن دخل في حصن الإيمان وقوة اليقين يترقى إلى ما شاء الله تعالى من الدرجات، والشيطان وإن كان ينبح عليه خارج الحصن لكنه لا يضره وفي الحديث: «جددوا إيمانكم» والمراد الانتقال من مرتبة إلى مرتبة فإن أصل الإيمان قد تم بالأول، ولكن الإيمان على ثماني عشرة مرتبة والعناية من الله تعالى وتوحيد كل شخص على قدر يقينه وهو قد يكون على قدر يقينه في ملك وجوده، وقد لا يكون على قدر هذا اليقين فالذين يظهرون الدعوى فتوحيدهم في ملك وجودهم فقط فلو أنهم جاوزوا إلى هذا اليقين لندموا عليها ورغبوا عن أنفسهم.
فعلى العاقل أن لا يسامح في باب الدين، بل يجتهد في تحصيل اليقين فإن الاجتهاد باب لهذا التحصيل ووسيلة في طريقة التكميل، وإن كان الله تعالى هو الموصل برحمته الخاصة والمؤثر في كل الأمور.
اللهم اجعلنا من أهل التوحيد الحقاني وشرفنا بالإيمان العياني فإنك الغني ونحن الفقراء.